ذ. المهدي الادريسي جواني يكتب.. اللؤلؤ الحزين
بقلم: الأستاذ مولاي المهدي الادريسي جواني من مراكش
اللؤلؤ الحزين هو اقتباس من المقامة اللؤلؤية للجلال السيوطي رحمه الله و هو عنوان لمجموعة خواطرنا التربوية والتي نقدّمها للقراء الأكارم عقب الأحداث المشينة الأخيرة لنشء غير مسؤول يحمل السلاح في الشارع العام وفي حرم القسم بكل صفاقة نادرة ورقاعة جائرة
سلسلة مولاي المهدي التربوية تعليقا على مايشيب لهوله الولدان
الموضوع : التلاميذ الذين يحملون الأسلحة البيضاء في الشارع العام .
لؤلؤة الجلال السيوطي الحزينة
الذي درس بعناية حياة الإمام الحافظ الكبير جلال الدين السيوطي الرجل الموسوعة يجده كما ألفيناه من باب ما درسناه من كتبه وسيرته رجلا ربانيا قد اعتزل الناس والتدريس معا مدة عشرين سنة منزويا في بيته منكبّا على التأليف باذلا فيه وسعه وجهده ، ولولا الصلاة ما تجاوز عتبة داره ولمّا سُئِل عن ذلك أجاب بلوعة حارقة سطّر فيها مآسي كل رجال التربية والتعليم منذ عصره إلى عصرنا هذا في مقامته الرائعة التي تفيض سطورها حزنا وأسى وتتفجر جوى وحسرة والتي أسماها رضي الله عنه { بالمقامة اللُّؤلُؤية } .
وقفت كثيرا عند سر تسميتها باللؤلؤية مع أنها تفيض استنكارا على الأوضاع التي جعلت الشيخ العالم والأستاذ المربي في درك الإهمال ووهدة اللّامبالاة فوجدت أن اللؤلؤ يختصر هذه الصورة
فهو يجمع النقيضين كونه مضرب المثل للزينة ومكمن الألم الخفي .
لقد اكتشفت هذا السرّ عند دراستي لعلم الأحجار الكريمة :
{la gemmologie}
لم أجد ضالتي من دراستي كتابَ ابن الأكفاني ” نخب الذخائر في أحوال الجواهر ” إلا بعد اطلاعي على الدراسات المعمقة الحديثة في أحوال اللؤلؤ .
إنه ينطوي على صورة الألم والشدة فالصدفة لا تخرج اللؤلؤة إلا بألم شديد وانطلاقا من هذا علمنا أن هذا الحجر الكريم له إذاً صورتان صورة سطحية تكمن في كونه يستعمل للزينة والجمال والتباهي وصورة عميقة تتجلى في الحزن والألم وبهذا يكون معنى المقامة أن العالم الرباني له صورتان بين الناس سطحية وعميقة ،
فأما السطحية فتظهر في كونه مرشدهم وإمامهم يتزيّنون بعلمه قلادةً يضعونها على صدورهم وأما العميقة فلأنه يعيش في الحقيقة حياة اللؤلؤ الحزين الذي ينزف في صمت ويتألم في هدوء داخل صدفة بيته المغمورة داخل أعماق بحار آلامه التي لا يسمع أنينها غير رب السموات والأرض جلّ في علاه وإذا لم ينكشف غبار أمر هذه اللؤلؤة ستمكث ثاوية في صدفة النسيان في أعماق بحر الإهمال .
إن هذه الصورة هي صورته الخفية الماثلة في شكل الألم الذي يعانيه وتنفطر منه الكبد ويتشقق من أجله الفؤاد .
اللؤلؤة الحزينة في شعر الوأواء الدمشقي
قريب من هذه الصورة الأولى صورة الشاعر العباسي الوأواء الدمشقي عندما اعتمد في تلوين مشهد بكاء حبيبته على لون تشبيه دموعها باللؤلؤ و هي الصورة التي بسطنا فيها التحاليل في مقالات سابقة حيث إن الدمع لا يوصف فقط باللؤلؤ بجامع الصفاء واللمعان في مستوى التحليل البسيط للصورة الشعرية بل يتجاوزه في مستوى التحليل العميق إلى كون قاسم التشبيه بين الدمع واللؤلؤ هو الألم فيكون المعنى أنها تبكي بحرقة وبألم حرقةً تشاكه ولادة اللؤلؤ المُعَنَّى في صدفته ، مما يدل على أنها ما بكت إلا لباعثٍ رئيس استدعى انهمار شؤونها على خديها وماهو في نظرنا إلا فراقها لحبيبها والدارس لفنون الحب سيرى ما رأيناه .
فما هو هذا الحزن الشديد الذي عاناه الإمام السيوطي والذي يمكن أن يعانيه كل مرب ورافع لراية العلم ؟!
في القرن التاسع الهجري الذي عاش فيه الإمام تقع كارثة الاعتزال المطلق حيث إنه اعتزل طلبته والناس لأنه يراهم على ثلاثة أصناف :
الصّنف الأول هو الصنف الذي يمكن أن نصفه بالجيل الذهبي وهم الذين تمتعوا بخلق راق ولهم همة شامخة في التعلم والطلب فهؤلاء علّمهم الإمام لاجتماع الحسنيين معا حسنى الخلق العالي وحسنى الهمة الراسخة .
والصنف الثاني هو الذي يمكن أن ننعته بالصنف النحاسي و هم الطلبة الذين ليسوا على خلق ولكن لهم همة طلبة العلم فهؤلاء علّمهم الإمام وصبر عليهم لشرف شفاعة مقصدهم في إرادة التعلّم رغم تقصيرهم في الاتصاف بحميد الأخلاق ونبل قيمها .
أما الصنف الثالث وما أدراكم ما الصنف الثالث فهم الذين يمكن أن نسمهم بالصنف القصْديري ، وهم صنفٌ لا في العير ولا في النفير فليس لهم في العلم مطلب وليسوا على خلق مما زاد الطين بِلَّة والخرق اتساعا، وهذا الصنف سر مأساة الإمام حيث قلاهم وهجرهم مدى الحياة .
هؤلاء طلبة القرن التاسع الهجري فكيف لو رأى من يحملون الأسلحة البيضاء ويشهرونها بكل تبجّح وتباه في الطرقات وهم مازلوا تلاميذ صغارا ومنهم من لم يبلغ الحلم بعد ؟!!!!!
هل سيسمي مقامته بعد هذا الفيلم المرعب باللؤلؤية ؟!!
الأزهر الشريف والحكمة اللؤلؤية الحزينة
متى سنتجاوز المقولة الأزهرية لأحد كبار علماء الازهر عندما قال قديما في خطبة له في سبعينيات القرن الماضي :
” والمستقبل شديد الظلمة ، غدًا يموت العلماء ويبقى الخفافيش في الظلام !! “
متى سترجع منابع التربية إلى سابق عهدها لتنشئة نشء صالح على عمل الخير والتحلية بخير العمل ، متى سيصفو كدر ما نعيشه اليوم ؟! ، أم أننا سنكتفي بندب حظنا ونبكي حالنا وسيكتفي خيارنا من أساتذة مربين وباحثين متخصصين وعلماء ربانيين ومثقفين مستنيرين بترديد ماقاله الإمام جار الله الزمخشري قديما عندما قال :
خليليَّ هل تُجدي عليّ فضائلي
إذا أنا لم أرفع على كل جاهلِ
ومن لي بحقي بعدما وفرت على
أراذلِها الدنيا حقوقَ الأماثلِ
كذا الدهر كم شوهاءَ في الحلي جيدُها
وكم جيدُ حسناء المقلَّد عاطلِ
ومما شجاني أن غرّ مناقبي
تَغنَّى بها الركبان بين القوافلِ
وطارت إلى أقصى البلاد قصائدي
وسارت مسير النيِّرات رسائلِي
وكم من أَمالٍ لي وكم من مصنَّفٍ
أصاب به ذهني مِحَزَّ المفاصلِ
غنيٌّ من الآداب لكنني إذا
نظرت فما في الكفِّ غيرُ الأناملِ
لن ينصلح حال النشء إلا إذا كانت التربية الصالحة في المقام الأول وفق منهج رباني قرينة عملية تعليمية رصينة وبمناهج قويمة ووسائل سليمة مصداقا لقوله تعالى :
” ولكن كونوا رَبَّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون “
ولنقف وقفة إجلال أمام وصف العلماء بالربانيين بدل المربين
، فالرَّبَّان بفتح الراء هو كل من كانت تربيته لنفسه مقدمة على تربية غيره فهو مرب لها مهذب لشوائبها و منظف لما علق بها من رواسب سلبية ،وبذلك فهي عملية ذاتية قبل أن تكون غيرية وهذا منهج العلماء الربانيين ومنهم ابن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم من الرضاعة الإمام الزاهد الأوحد تقي الدين أبي سعيد الحسن البِصري الذي كان فيما نقله عنه الإمام ابن الجوزي الحنبلي في كتاب أفرده في فضائله وأخباره يرى أن لُبّ التربية ينشأ من مبدأ أن يصلح العالم نفسه ويربيها قبل تربية الغير ،بهذا يصلح أن يكون قدوة لمن هم تحت يديه ، يربيهم بما يراه هو أولى بالاتصاف به قبل تعليمهم .
ما أحوجنا للتربية الصامتة
أُثر عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من خلال دراستي لكتاب ابن الجوزي عن الإمام الحسن البصري أنه كان ينصح رعيته بأن يدعوا غيرهم إلى الإسلام وهم صامتون فيتعجب من حوله وكيف يدعو المرء غيره إلى دين الله صمتاً دون كلام فكان يجيبهم : ادعوهم بأخلاقكم ..
وأنتِ أيتها القارئة الكريمة و أيها القارئ الكريم هأنتم ترون أن الربان بفتح الراء شبيه الأهمية بالرُّبان بضمها ،فكلاهما يسوق الناس ويحملهم إلى بر الأمان ،فإذا كانت المسؤولية تعظم بشأن رُبان الطائرة لأنه يحمل معه الناس في أعالي الجوّ حيث إن أدنى خطأ قد يعرض حياتهم للخطر فكذا الرَّبان بفتحها فهو في القسم يزن أعماله بميزان الذهب لأن النشء يرى صلاح نفسه في صلاح من يدرسه ويعلمه ويتعامل في موقف زلل رَبّانه وإن كان يسيرا بما يجعله ذريعةً لفتح باب تميّعه ،فمتى يستقيم الظل والعود أعوج ؟! .
صورة متلألئة من وصية الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه لتلميذه الكُمَيْل بن زِياد
من الوصايا النافعة الجامعة مانقلته لنا كتب التاريخ الإسلامي من دأب السلف الصالح في تربية النشء و منها وصية الإمام علي لتلميذه الكُميل وفيها يقول له :
” يا كُمَيْلُ بنَ زيادٍ، إن هذه القلوبَ أَوْعيةٌ، فخيرُها أوعاها، فاحفَظْ عني ما أقولُ لك: الناس ثلاثةٌ: فعالمٌ ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، مع كلِّ ريحٍ يميلون، لم يَسْتَضيئوا بنور العلم، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ ” .
اللؤلؤة الحريرية الحزينة
إن قيام المعلم بمهام التربية كما يجب أن تكون لهو الكفيل لإصلاح المنظومة ولكنّ هذا المبدأ يأكل من جسده وينخر من قواه ، ويتغذى من عقله ويشرب من راحته مما يجعله إلى الخرف أقرب ، بل وكثرة معاهدة إصلاح الفاسد يصلح الفاسد لكنه يُبقي شيئاً من معاناته التي قال فيها الخليفة المأمون قديما ” المعلم يصقل عقولنا ويأخذ جهلنا “، ولقد تنبّه إلى ذلك الإمام الحريري في آخر مقامة له وسمها بالحلبية يقول في آخرها :
” أمَا إنّ التعليمَ أشرَفُ صِناعةٍ، وأربَحُ بِضاعةٍ، وأنجَعُ شَفاعةٍ، وأفضَلُ براعَةٍ ،وربُّهُ ذو إمْرَةٍ مُطاعَةٍ ،وهيبَةٍ مُشاعَةٍ، ورعيّةٍ مِطواعةٍ، يتسيْطَرُ تسيْطُرَ أميرٍ، ويرتِّبُ ترْتيبَ وزيرٍ، ويتحكّمُ تحكُّمَ قَديرٍ، ويتشبّهُ بِذي مُلْكٍ كبيرٍ، إلا أنهُ يخْرَفُ في أمَدٍ يَسيرٍ، ويتّسِمُ بحُمقٍ شَهيرٍ، ويتقلّبُ بعقْلٍ صَغيرٍ،
ولا يُنَبّئكَ مثلُ خَبيرٍ ” .
فاللهم أصلح الحال والأحوال وارزقنا الصبر والتحلي بمكارم الأخلاق والإخلاص لوجهك الكريم يا كريم
مولاي المهدي الادريسي جواني عضو الهيئة العلمية لمؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع ..كرسي البلاغة القرآنية والتفسير البلاغي وعلوم النقد والأدب وعلوم تقويم اللسان العربي العام والخاص