ميداليات الشبان لا يمكن أن تخفي عقدين من هدر الزمن الرياضي

0

عبد الصادق النوراني.

لا أحد يمكنه أن يجادل في قيمة النتائج التي حققها بعض أبطال ألعاب القوى المغربية في فئة الشبان بمناسبة بطولة العالم لألعاب القوى، ولا يمكن إلا أن نهنئ العدائين وأطرهم وكل من ساهم في اعتلاء العلم المغربي منصات التتويج. لكن ، وبعيدا عن أجواء الاحتفال والتطبيل التي ترافق كل ميدالية يبقى من حقنا أن نطرح السؤال الذي يبدو أن البعض لا يريد سماعه ، ماذا بعد؟
ميداليتا بوسجدة و أسامة الرضواني في سباق 800 و 1500 متر ، تعيد إلى الواجهة أمجاد المسافات التي ارتبط اسمها بالمغرب مع سعيد عويطة وهشام الكروج وصلاح حيسو واسماعيل الصغير وخالد بولامي ونزهة بدوان وزهرة واعزيز وخالد السكاح وإبراهيم بوطيب …. ، وهي نتائج مفرحة بالفعل ، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب عنا حقيقة أكثر إيلاما . ألعاب القوى المغربية لا تعاني من غياب المواهب بقدر ما تعاني من أزمة في صناعة البطل والمحافظة عليه .
على امتداد نحو عقدين من تدبير عبد السلام أحيزون لشؤون الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى ، مر على الحلبة المغربية جيل وراء جيل من العدائين الذين لمعوا في فئات الشبان ورفعوا سقف التطلعات قبل أن يخفت بريقهم تدريجيا عند الانتقال إلى فئة الكبار .
فكم من بطل شاب صفقنا له وكتبنا عنه عناوين كبيرة وتوقعنا له مستقبلاً عالميا ثم اختفى من المشهد ؟ وكم من موهبة كان يمكن أن تصبح اسما وازنا في ألعاب القوى العالمية لكنها ضاعت في الطريق بين فئة الشبان وفئة الكبار ؟
هذه ليست صدفة ، وليست مسؤولية العدائين وحدهم .
المشكل الحقيقي يكمن في الاستمرارية والمواكبة التقنية والطبية والنفسية والبدنية والإستشفاء الرياضي . فصناعة بطل كبير لا تتم بإحراز ميدالية في بطولة للشبان ، ولا بصورة على منصة التتويج ، ولا بمنشور فايسبوكي احتفالي ، وإنما بمشروع طويل النفس يرافق العداء سنوات ويضع أمامه أفضل المدربين والتغذية العلمية، والتتبع الطبي، والتأهيل البدني، والمواكبة النفسية ، والمنافسات القوية ، ويمنحه قبل كل شيء رؤية واضحة لمستقبله الرياضي .
ومن المؤسف أن بعض الصفحات الفيسبوكية التي اعتادت التصفيق لكل ما يصدر عن الجامعة وكأن مهمتها ليست نقل الخبر وإنما تلميع الصورة ، تحاول أحيانا تقديم نتائج الشبان باعتبارها دليلا كافيا على عودة ألعاب القوى المغربية إلى مكانتها الطبيعية .
نحن لا نطلب منها أن تفسد فرحة المغاربة ، وإنما نطالبها فقط بأن تتحلى بقليل من الموضوعية .
جيل كامل من العدائين ضاع ، وعقدان من الزمن الرياضي لا يمكن اختزالهما في ميدالية أو ميداليتين .
كما أن الحديث عن النتائج يقود بالضرورة إلى الحديث عن الأطر التقنية الوطنية سواء داخل معهد ألعاب القوى بالرباط أو داخل المراكز الجهوية . وهنا أيضا لا بد من طرح السؤال بصراحة ، هل نملك فعلا منظومة تكوين وتأطير قادرة على تحويل المواهب إلى أبطال عالميين ؟ وهل تم تقييم عمل هذه الأطر بشكل علمي وموضوعي ؟ وهل يتم اختيار المدربين وفق الكفاءة والنتائج ، أم وفق معايير أخرى ؟
فالجامعة التي تعتمد مدربين لتكوين أبطال المستقبل مطالبة بأن تتحمل مسؤوليتها كاملة عن نتائج هذا الاختيار ، لأن المدرب المعتمد من طرفها ليس مجرد اسم في لائحة ، بل هو جزء من مشروعها الرياضي .
أما أن نفرح اليوم بإنجاز عداء شاب ثم ننتظر بعد سنوات لنرى إن كان سيستمر ، فهذه ليست استراتيجية لصناعة الأبطال ، وإنما مراهنة على الصدفة .
لقد علمنا تاريخ ألعاب القوى المغربية أن الموهبة وحدها لا تكفي . عويطة والكروج ونزهة بدوان ونوال المتوكل وغيرهم لم يصيروا أساطير رياضية لأنهم كانا موهوبين فقط ، وإنما لأن الموهبة وجدت من يصقلها ويواكبها ويضعها في المسار الصحيح .
لذلك فإن ذهبية بوسجدة وبرونزية أسامة الرضواني وكل النتائج الحالية ينبغي أن تكونا بداية مشروع لا نهاية قصة .
نبارك للأبطال ونرفع لهم القبعة ونفرح لكل ميدالية مغربية ، لكننا في الوقت نفسه نقول للجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى، لا تجعلوا هذه النتائج تنسينا هدر الزمن الرياضي .
فالاختبار الحقيقي ليس في فئة الشبان .
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح العداء كبيرا وعندما يواجه أبطال العالم وعندما نراه يحمل القميص الوطني في البطولات الكبرى والألعاب الأولمبية،د ، لا عندما يحمل ميدالية في فئة عمرية ثم يغيب بعدها عن المشهد.د .
هناك فقط سنعرف إن كنا قد بدأنا فعلا في بناء مستقبل جديد لألعاب القوى المغربية ، أم أننا أمام جيل آخر من المواهب الجميلة التي ستلمع قليلا ثم تنطفئ لا قدر الله .

اترك رد