حين كانت الجورة أخوّة ، وحين أصبح الجار غريبا .

0

عبد الصادق النوراني .

هناك أشياء لا يقتلها الزمن تماما حتى وإن غيبها عن تفاصيل حياتنا اليومية تبقى عالقة في الذاكرة كلما مررنا بزقاق قديم أو شممنا رائحة من الماضي عادت إلينا دفعة واحدة حاملة معها زمنا كان أكثر بساطة لكنه كان أغنى بالقيم والمعاني .
ومن بين أجمل ما أفتقده اليوم في أحياء مراكش العتيقة ، تلك العادة التي كانت تجعل من جاراتنا أمهات لنا ومن أبناء الزقاق إخوة وأخوات ومن الجيران عائلة كبيرة لا تجمعها شجرة النسب بقدر ما تجمعها شجرة الأخلاق والمودة .
كنا ننادي جاراتنا من أمهات أقراننا بـ (أمي فلانة) ، ونقبّل أيديهن كلما التقينا بهن في الزقاق صباحا أو مساء . لم تكن المسألة مجرد عادة اجتماعية عابرة ، بل كانت مدرسة متكاملة في الاحترام والتربية وحسن الجوار .
وكان الجار يعرف جاره ويعرف أبناءه ويفرح لفرحه ويحزن لحزنه ويسأل عنه إذا غاب ويقف إلى جانبه إذا ألمّت به محنة . كانت التحية الصباحية جزءا من الحياة اليومية ، وكانت الزيارات والمواساة والتعاون أمورا طبيعية لا تحتاج إلى دعوات رسمية ولا إلى مواعيد مسبقة ، بل إن الأمر كان يتجاوز ذلك بكثير .
فقد كانت أمهاتنا رغم بساطتهن وقلة حظ كثير منهن من التعليم ، أكثر وعيا بقيمة التضامن من كثير منا اليوم . كن يتبادلن إرضاع الأطفال فيما بينهن فينشأ أبناء الزقاق وهم يحملون في وجدانهم معنى الأخوّة من الرضاعة بما تحمله من روابط ومسؤوليات ومشاعر تتجاوز حدود الجدران والأزقة .
وأذكر مما كانت تحكيه لي والدتي رحمها الله أنها كانت رضيعة لعدد من أطفال زقاقنا كما أنني رضعت بدوري من أمهات أخريات من بنات وأبناء الحي . وبذلك لم نكن مجرد جيران يسكنون في المكان نفسه ، بل كنا إخوة وأخوات بالمعنى الذي كان المجتمع آنذاك يفهمه ويعيه .
ولعل ذلك يفسر إلى حد كبير لماذا كانت أحياؤنا إلى وقت قريب مضرب المثل في حسن الجوار والتآزر والتكافل ، ولماذا كانت مظاهر الانحراف والجريمة شبه غائبة عن حياة الأطفال والشباب .
فحين كان الجار يعتبر ابن جاره ابنا له ، كانت تربية الأطفال مسؤولية جماعية . وحين كانت الأم ترى في أبناء الزقاق أبناءها كان الطفل يعرف أن هناك عشرات العيون التي تراقبه وتحميه وتوجهه لا للتجسس عليه ، وإنما خوفا عليه وحرصا على مستقبله .
أما اليوم، فقد تغير الكثير .
كبرت المدن واتسعت التجزئات السكنية وارتفعت العمارات وأصبحت الأبواب أكثر صلابة، بينما أصبحت العلاقات خلفها أكثر هشاشة . قد يسكن الإنسان سنوات إلى جوار شخص ولا يعرف اسمه ولا يعرف إن كان مريضا أو محتاجا أو يعيش محنة .
صرنا نملك هواتف ذكية تصل بنا إلى أقصى العالم ، لكننا في أحيان كثيرة لا نعرف حتى اسم جارنا المقابل .
اندثرت التحية ، وقلت الزيارات ، وضعفت المواساة ، وأصبح كثير من الناس يعيشون في عزلة اجتماعية داخل تجمعات سكنية مكتظة .
لماذا تغير الزمن ؟ ماذا فعلنا نحن للحفاظ على ما كان جميلا في زمن آبائنا وأمهاتنا ؟
ليس المطلوب أن نعيد الماضي كما كان ، فهذا مستحيل ولا أن نعيش أسرى للنوستالجيا . المطلوب فقط أن نستعيد القيم التي كانت تجعل الجورة علاقة إنسانية وليست مجرد تقارب في العناوين .
نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الجار وإلى أن نعلم أبناءنا أن ابن الجار ليس غريبا ، وأن احترام الكبير ليس تخلفا ، وأن السؤال عن المريض ومواساة الحزين ومساعدة المحتاج والسلام على من نلتقي بهم في الطريق ليست طقوسا من زمن مضى ، بل قيم إنسانية لا ينبغي أن تنقرض .
فربما كان آباؤنا وأمهاتنا أقل تعليما منا ، لكنهم كانوا يعرفون شيئا يبدو أننا نسيناه ، وهو أن المجتمع لا يبنى بكثرة العمارات ، وإنما بقوة العلاقات بين سكانها .
رحم الله أمهاتنا وآباءنا ، ورحم زمنا كانت فيه أحياء مراكش العتيقة تعرف أبناءها واحداً واحدا ، وكانت فيه كلمة أمي تقال لجارة قبل أن تقال لقريبة ، وكان الجار سندا والزقاق عائلة والجورة أخوّة .
تلك ليست مجرد ذكريات من الماض ، بل هي قيم نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى .

اترك رد