ثورة الملك والشعب.. من ذاكرة المقاومة إلى امتحان بناء مغرب المستقبل
ثورة الملك والشعب.. ملحمة الأمس ومسؤولية بناء مغرب الغد
ليست ذكرى ثورة الملك والشعب مجرد محطة في رزنامة الأعياد والمناسبات الوطنية ، ولا مناسبة لاستعادة صور الماضي وترديد عبارات الوفاء والاعتزاز فقط ، وإنما هي قبل كل شيء لحظة لاستحضار صفحة مشرقة من تاريخ المغرب الحديث ، حين التقت إرادة الشعب بإرادة المؤسسة الملكية في مواجهة الاستعمار والدفاع عن السيادة الوطنية ، قبل أن تتحول تلك المواجهة إلى أحد أهم المنعطفات التي أعادت تشكيل الدولة المغربية الحديثة .
فالثورة التي اندلعت في وجه الاستعمار بعد إقدام سلطات الحماية على نفي السلطان محمد الخامس والأسرة الملكية ، لم تكن حدثا معزولا عن سياقه ، بل كانت تعبيرا عن رفض مغربي واسع لمحاولة ضرب الشرعية الوطنية وفصل العرش عن الشعب . ومن هنا اكتسبت تلك المرحلة دلالتها التاريخية باعتبارها لحظة تجسدت فيها وحدة المغاربة حول قضية الاستقلال والسيادة والكرامة الوطنية .
ولعل خطاب المغفور له الملك محمد الخامس يوم 7 ماي 1957 حين أكد أن الحكم الديمقراطي هو أفضل حكم لبلد يتمتع بسيادته ، وأن الوقت قد حان لإقامة مؤسسات دستورية يشارك فيها الشعب مباشرة في تدبير الشؤون العامة ، يكشف أن معركة الاستقلال لم تكن في الوعي الوطني مجرد معركة لإخراج المستعمر ، وإنما كانت أيضا مدخلا لبناء دولة حديثة ومؤسسات قادرة على استيعاب تطلعات المغاربة .
وهنا تكمن أهمية استحضار هذه الذكرى اليوم . فالتاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى متحف مغلق ، ولا إلى خطاب احتفالي يتكرر كل سنة ، وإنما إلى ذاكرة حية تساعد الأجيال الجديدة على فهم كيف تشكلت الدولة المغربية وكيف استطاعت المؤسسة الملكية على امتداد قرون أن تظل إحدى ركائز الاستقرار والاستمرارية في بلد شديد التنوع في تركيبته الاجتماعية والثقافية والسياسية .
لقد كان دور الملكية في تاريخ المغرب أكثر تعقيدا من مجرد مؤسسة سياسية . فالملكية ارتبطت تاريخيا بالشرعية الدينية والوطنية ، كما ارتبطت بخصوصية مغربية جعلت إمارة المؤمنين إحدى ركائز النظام السياسي ، وفي الوقت نفسه حافظ المغرب على تعدديته الثقافية والسياسية والاجتماعية ، وعلى تقاليد عريقة في التعايش والانفتاح والتفاعل مع مختلف مكوناته .
ولذلك ، فإن خصوصية التجربة المغربية لا تختزل في شعار (الاستثناء المغربي) ، بل تتطلب قراءة موضوعية لمسار طويل من التراكمات . فمنذ الاستقلال عرف المغرب تعددية حزبية وفكرية واسعة ، ومر بمراحل سياسية مختلفة ، وشهد صراعات واختلافات بين السلطة والمعارضة ، كما عرف محطات من التوتر والانفراج والإصلاح . لكن القاسم المشترك ظل دائما هو البحث عن صيغة مغربية لإدارة الاختلاف والحفاظ على استمرارية الدولة .
ومن الإنصاف في هذه الذكرى أن نستحضر أيضا تضحيات رجال المقاومة وأعضاء جيش التحرير وكل المغاربة الذين دفعوا ثمنا باهظا من أجل إنهاء الوجود الاستعماري واستعادة القرار الوطني . فاستقلال المغرب لم يكن هبة من أحد ، وإنما ثمرة نضال طويل ساهم فيه الوطنيون والمقاومون والشعب بمختلف فئاته ، وكانت المؤسسة الملكية في قلب تلك المعركة الوطنية .
غير أن الوفاء الحقيقي لهذه الذاكرة لا يكون فقط باستحضار البطولات ، وإنما بتحويل دروسها إلى مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل .
فإذا كان جيل المقاومة قد حمل مسؤولية تحرير الوطن من الاستعمار ، فإن أجيال اليوم مطالبة بتحرير طاقات المغرب من الفقر والهشاشة والجهل والفساد والزبونية وبناء دولة المؤسسات التي تضمن تكافؤ الفرص وتصون الحريات وتحقق العدالة الاجتماعية والمجالية وتجعل القانون فوق الجميع .
ومن هنا تبرز أهمية دستور 2011 باعتباره محطة أساسية في مسار تطور الدولة المغربية بما حمله من مقتضيات تتعلق بفصل السلط وتوازنها وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الحقوق والحريات وترسيخ الحكامة الجيدة .
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في وجود النصوص وحدها ، وإنما في حسن تنزيلها وتحويلها إلى ممارسة مؤسساتية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية .
إن الأجيال الجديدة لا تحتاج إلى أن نطلب منها أن تحفظ التاريخ عن ظهر قلب ، بقدر ما تحتاج إلى أن تفهمه . تحتاج إلى أن تعرف لماذا قاوم المغاربة الاستعمار ، ولماذا التف الشعب حول الملكية في لحظة تاريخية حاسمة ، ولماذا أصبحت قضية السيادة الوطنية جزءا من الوجدان السياسي المغربي ، وفي الوقت نفسه لماذا كان بناء المؤسسات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية حاضرا في خطاب المغرب منذ السنوات الأولى للاستقلال .
فتلك هي الرسالة الأعمق لثورة الملك والشعب ، أن الوطن لا يبنى بالذاكرة وحدها ، ولا بالشعارات وحدها ، وإنما بتحويل تضحيات الأجداد إلى مسؤولية لدى الأحفاد .
وبعد أكثر من سبعة عقود على تلك الملحمة الوطنية ، يصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا فعل المغاربة بالأمس فقط ، وإنما ماذا سيفعلون اليوم من أجل مغرب الغد ؟
ذلك أن أفضل وفاء لرجال المقاومة وجيش التحرير وللملك محمد الخامس ورفاقه في معركة الاستقلال ، هو أن نواصل بناء مغرب قوي بمؤسساته ، عادل في مجاله الاجتماعي ، متوازن في سلطاته ، واسع في حرياته ، متماسك في تعدديته ، وقادر على منح شبابه الأمل في المستقبل .
فتلك في نهاية المطاف ليست مجرد ذكرى ثورة ، وإنما مسؤولية مستمرة تجاه وطن لم يكن استقلاله نهاية التاريخ ، بل بداية معركة أخرى ، معركة بناء الدولة التي حلم بها الذين صنعوا الاستقلال .
بقلم: عبد الصادق النوراني .
