إسرائيليون يدافعون عن سبتة ومليلية، وإخوان المغرب والكوفيون أصحاب المليونيات وبعض العرب يختفون ويلتزمون الصمت .

حين يصمت أصحاب المليونيات عن سبتة ومليلية.. من يدافع عن القضايا الوطنية للمغرب؟

Screenshot
0

عبد الصادق النوراني .

هناك مفارقة مغربية وعربية تستحق أكثر من مجرد الاستغراب ، لأنها تكشف أحيانا عن اختلال عميق في مفهوم التضامن ، وعن انتقائية فجة في تحديد القضايا التي تستحق أن تخرج من أجلها الحناجر إلى الشوارع .
فما إن تندلع أزمة في فلسطين أو إيران أو في إحدى بؤر التوتر بالمنطقة ، حتى تتحول بعض التنظيمات والتيارات السياسية والدينية إلى ما يشبه غرف عمليات للاحتجاج والتعبئة وترفع الشعارات وتنظم المسيرات وتحشد الجماهير وكأن العالم العربي والإسلامي لا توجد فيه قضية عادلة أخرى تستحق شيئا من ذلك الحماس .
لكن ما إن نصل إلى سبتة ومليلية المحتلتين ، حتى يصيب كثيرا من هؤلاء الصمت المطبق !
أين تختفي الشعارات حين يتعلق الأمر بمدينتين مغربيتين تعتبرهما الدولة المغربية جزءا من ترابها الوطني ؟ وأين تختفي تلك المسيرات المليونية والبيانات النارية والخطب الحماسية ؟ ولماذا يصبح الاحتلال قضية تستحق الغضب عندما يكون بعيدا ، بينما يتحول إلى موضوع ثانوي عندما يتعلق الأمر بأرض مغربية ؟
المشكلة ليست في التضامن مع فلسطين ، بل على العكس ؛ فالمغرب كان ولا يزال من أكثر الدول العربية حرصا على دعم القضية الفلسطينية سياسيا وإنسانيا ، وقد بذل جهدا كبيرا من أجل تخفيف معاناة الفلسطينيين وفي مقدمتهم سكان غزة . لكن التضامن الحقيقي لا ينبغي أن يكون انتقائيا ، ولا أن يتحول إلى ورقة للمزايدة السياسية أو الإيديولوجية .
والمفارقة الأكثر إيلاما أن المغرب كلما تعرضت دولة عربية لمحنة أو أزمة ، وجدناه في مقدمة المتضامنين والمبادرين إلى المساعدة ، بينما حين يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية المغربية ، لا نجد دائما القدر نفسه من التضامن العربي .
بل إن المفارقة بلغت حدا يدعو إلى التأمل : ففي الوقت الذي يصمت فيه بعض الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم حراس القومية العربية والإسلامية ، برزت أصوات إسرائيلية ويهودية مغربية في إسرائيل تتحدث صراحة عن حق المغرب في استعادة سبتة ومليلية .
فقد أعاد إيدي كوهين وغيره من المعلقين الإسرائيليين طرح القضية في سياق الأزمة الأخيرة حول سبتة ، كما صدرت مواقف أخرى من أصوات إسرائيلية وغربية مؤيدة للمطالب المغربية .
وللتدقيق ، لا ينبغي تحويل هذه المواقف الفردية إلى موقف رسمي إسرائيلي ؛ فالسفيرة الإسرائيلية في إسبانيا نفت في أبريل الماضي أن تكون إسرائيل بصدد دعم المطالب المغربية بشأن المدينتين ، مؤكدة أن القضية ليست ضمن أولويات حكومتها في الوقت الراهن .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا يتضامن بعض الإسرائيليين مع المغرب ؟
بل لماذا لا نسمع الصوت نفسه من بعض الذين لا يتوقفون عن الحديث باسم العروبة والإسلام والمقاومة ؟
لماذا يستطيع بعض اليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل وبعض الأصوات الإسرائيلية ، أن ينظروا إلى قضية سبتة ومليلية باعتبارها قضية ترابية مغربية تستحق النقاش ، بينما يتعامل معها بعض المغاربة أنفسهم وكأنها قضية لا تعنيهم ؟
أليس من حق المغرب أن ينتظر من أشقائه العرب على الأقل موقفا واضحا من قضاياه الوطنية كما يقف هو إلى جانب قضاياهم ؟
لقد آن الأوان للتخلص من هذا التضامن الانتقائي الذي يجعل البعض شديد الحساسية تجاه احتلال أرض في مكان ما ، وشديد البرود تجاه أرض مغربية محتلة منذ قرون .
فالوطنية ليست انتقاء ، والتضامن ليس مزادا سياسيا ، والقضايا العادلة لا تتغير عدالتها بتغير الجغرافيا أو الجهة التي تقف وراءها .
فلسطين قضية عادلة نعم . وكل تضامن صادق مع الشعب الفلسطيني مرحب به. لكن سبتة ومليلية أيضا قضيتان وطنيتان مغربيتان ، ولا يجوز أن تتحول الوطنية إلى شعار يرفع عندما يخدم الأجندة السياسية ، ثم يطوى عندما يتعلق الأمر بالمغرب .
أما المغرب الذي اعتاد أن يمد يده إلى أشقائه في محنهم ، فمن حقه أن يسأل بهدوء ولكن بمرارة :
متى يصبح التضامن مع المغرب تضامنا يستحق أن نراه في الشوارع ، لا أن نسمعه فقط في البيانات ؟

اترك رد