ملف سعيد الناصري.. التفاصيل الكاملة من أول شكاية إلى النطق بالحكم
القصة الكاملة لملف الناصري والبعيوي
عاشت ردهات محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، واحدة من أكثر الجلسات إثارة و حبساً للأنفاس في تاريخ القضاء المغربي الحديث. فبعد ماراثون محاكمات طويل استنزف شهوراً من الترقب، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية الستار على الفصل الأول من ملف “إسكوبار الصحراء” بالنطق بأحكام ثقيلة بإدانة سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي، بـ10 سنوات سجناً نافذاً، وعبد النبي بعيوي، رئيس مجلس جهة الشرق السابق، بـ12 سنة سجناً نافذاً،
لم تكن بداية هذه القضية متوقعة في الصالونات السياسية، بل انطلقت شرارتها الأولى من وراء أسوار السجن المحلي بالجديدة، عندما قرر بارون المخدرات الدولي الشهير بـ” أحمد بن إبراهيم” (المالي) كسر صمته. تقدم هذا السجين المدان بـ20 سنة سجناً بشكايات رسمية يتهم فيها الناصري والبعيوي بالاستيلاء على ممتلكاته العقارية وسياراته الفاخرة مستغلين غيابه. هذه الاعترافات المزلزلة دفعت بالنيابة العامة إلى تحريك الفرقة الوطنية للشرطة القضائية (BNPJ)، التي غاصت لشهور في تتبع الخطوط الهاتفية الخفية، والتحويلات المالية المشبوهة، والنبش في دفاتر التوثيق العقاري ،
في دجنبر من سنة 2023، اهتز الرأي العام المغربي على وقع زلزال سياسي ورياضي غير مسبوق، تمثل في اعتقال الناصري وبعيوي و وضعهما رهن الاعتقال الاحتياطي بسجن عكاشة، رفقة أزيد من عشرين متهماً آخرين بينهم برلمانيون ورجال أمن وموثقون. ووجهت للموقوفين صكوك اتهام ثقيلة جداً وضعت مسارهم في مهب الريح؛ حيث توبع عبد النبي بعيوي بتهمة قيادة وتزعم شبكة للاتجار الدولي بالمخدرات وتسهيل دخول وخروج أشخاص للتراب الوطني، في حين توبع سعيد الناصري بتهم التزوير في محررات رسمية، النصب، استغلال النفوذ، والمشاركة في تهريب المخدرات وتبييض الأموال.
و على مدار فترات المحاكمة، تحولت قاعة الجلسات بمحكمة الاستئناف بالبيضاء إلى مسرح لمواجهات ساخنة ودلائل رقمية دامغة حاصرت المتهمين. ورغم المحاولات المستميتة لهيئات الدفاع لتفنيد التهم والتركيز على الدفوعات الشكلية، فإن النيابة العامة واجهت المتهمين بوثائق عقارية تم تزويرها لنقل ملكية فيلا فاخرة بالدار البيضاء من “المالي” إلى الناصري، بالإضافة إلى إثبات صلات لوجيستية مباشرة لبعيوي في نقل أطنان من المخدرات عبر شاحنات ضخمة انطلاقاً من جهة الشرق، مما جعل تبرئة ساحتهما أمراً مستحيلاً أمام حجم القرائن.
تتعدى الأحكام الصادرة اليوم مجرد عقوبات سجنية لأشخاص نافذين، بل تحمل في عمقها رسالة سياسية وقضائية صارمة تؤكد بالملموس تفعيل شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” بالمملكة. إن سقوط رئيس أشهر نادٍ كروي وملياردير يقود جهة جغرافية حساسة يثبت أنه لا حصانة لأي مسؤول مهما بلغت سلطته وماله أمام القانون. ومع طي هذه الصفحة الابتدائية، تتجه الأنظار الآن صوب مرحلة الاستئناف، حيث سيسعى الدفاع لتخفيف العقوبات، بينما ستواصل النيابة العامة معركتها لتثبيت الأحكام في واحدة من أكبر قضايا مكافحة الفساد في تاريخ المغرب الحديث.