عبد الصادق النوراني .
في كل محطة انتخابية تتبارى الأحزاب السياسية في رفع شعارات النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق الحياة العامة واستعادة ثقة المواطنين في السياسة .
لكن ما إن يحين موعد توزيع التزكيات حتى تتراجع المبادئ أمام الحسابات الانتخابية الضيقة ويصبح السؤال الذي يهيمن على غرف القرار الحزبي ليس من هو الأنزه ومن هو الكفؤ ؟ بل من هو الأقدر على الفوز ؟
لقد قدمت الولاية التشريعية الحالية درسا قاسيا للأحزاب السياسية المغربية . فمن أصل 395 نائبا برلمانيا وجد حوالي 30 نائبا أنفسهم وراء القضبان أو أمام القضاء في ملفات تتعلق باختلاس وتبديد المال العام ، والارتشاء ، واستغلال النفوذ ، والتزوير ، بل وحتى الاتجار الدولي في المخدرات . أي أن البرلمان فقد بسبب المتابعات القضائية ما يفوق فريقا برلمانيا كاملا في سابقة سياسية وقانونية تطرح أكثر من علامة استفهام ؟؟؟
هذه الأرقام لا تدين الأشخاص وحدهم بل تضع الأحزاب التي منحتهم التزكية في قفص الاتهام السياسي والأخلاقي . فالتزكية ليست مجرد توقيع حزبي وإنما شهادة سياسية بأن صاحبها مؤهل لتمثيل الأمة والدفاع عن مصالح المواطنين . وعندما يتحول عدد من المزكين إلى نزلاء في السجون أو ضيوف دائمين على المحاكم ، فإن أول من ينبغي أن يخضع للمساءلة هو الجهة التي زكتهم وقدمتهم للناخبين على أنهم جديرون بالثقة .
الأخطر من ذلك أن بعض الأحزاب لا تزال تتعامل مع الانتخابات بمنطق المرشح الذي يجلب الأصوات ، حتى وإن كانت سمعته مثقلة بالشبهات أو كان تاريخه في تدبير الشأن العام محل انتقادات واسعة .
وهكذا تصبح القدرة المالية وشبكات النفوذ والوزن الانتخابي أهم من النزاهة والكفاءة والاستقامة .
ولعل المفارقة المؤلمة أن الدولة بقيادة جلالة الملك جعلت من محاربة الفساد خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه ، وأكدت في أكثر من مناسبة أن لا أحد فوق القانون . وبينما تتحرك مؤسسات الرقابة والنيابة العامة لمحاصرة الفساد ، لا يزال بعض الفاعلين السياسيين يعيدون إنتاجه من خلال بوابة التزكيات .
إن الانتخابات المقبلة ليست مجرد سباق نحو المقاعد ، بل امتحان حقيقي لصدقية الأحزاب . فإذا أعادت تقديم الوجوه نفسها التي ارتبطت بالفساد أو تحوم حولها شبهات ثقيلة ، فإنها تكون قد أعلنت عمليا أن دروس الولاية الحالية التي أوشكت على الإنتهاء لم تغير شيئا في ثقافتها السياسية .
لقد تغير المواطن المغربي وأصبح أكثر وعيا وأكثر اطلاعا ، ولم يعد يقبل بسهولة أن يتحول البرلمان إلى ملاذ للباحثين عن النفوذ أو الحصانة أو المصالح الخاصة . فالمقعد البرلماني ليس امتيازا شخصيا ، بل أمانة وطنية ومسؤولية دستورية .
إن استعادة الثقة في المؤسسات لا تبدأ يوم الاقتراع ، بل تبدأ يوم توقيع التزكية . وهناك فقط يتحدد ما إذا كان الحزب يختار رجل دولة ، أم مجرد مرشح قادر على حصد الأصوات بأي ثمن .
إن المغرب وهو مقبل على استحقاقات تشريعية جديدة ، لا يحتاج إلى برلمان يكرر أخطاء الماضي ، بل إلى نخبة سياسية نظيفة قادرة على التشريع والرقابة والدفاع عن مصالح المواطنين . أما الاستمرار في تزكية أصحاب السوابق في تدبير الشأن العام أو من تحوم حولهم شبهات الفساد فلن يكون سوى إعلان صريح بأن بعض الأحزاب لم تستوعب بعد أن زمن الإفلات من المحاسبة قد ولى ، وأن المواطن أصبح يحاسب كما يحاسب القضاء .