من الدفاع إلى المبادرة ، كيف غيّر المغرب قواعد الاشتباك في ملف الصحراء؟
صوت الإحرار / عبد الصادق النوراني .
في السياسة ، لا ينتصر دائما من يرفع صوته أكثر ، بل من يحسن قراءة الزمن . وهذا بالضبط ما حدث في ملف الصحراء المغربية الذي انتقل فيه المغرب بهدوء وثقة من دولة تدافع عن حقها التاريخي والقانوني إلى دولة تصنع الوقائع وتعيد تشكيل موازين القوى بينما وجد خصومه أنفسهم يدورون في الحلقة نفسها التي رسموها قبل نصف قرن .
لقد كانت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مرحلة استنزاف حقيقية للمغرب . ففي ظل الحرب الباردة استطاعت الجزائر مدعومة بعدد من الدول التي كانت تنتمي إلى المعسكر الاشتراكي أن تمنح أطروحة الإنفصال زخما سياسيا وإعلاميا وعسكريا ، فتحول النزاع إلى إحدى ساحات الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب . يومها دفع المغرب ثمنا باهظا دفاعا عن وحدته الترابية وخاض حربا طويلة أنهكت اقتصاده ، لكنها لم تنل من قناعة المغاربة بأن الصحراء جزء لا يتجزأ من وطنهم .
غير أن الدول العاقلة لا تبقى أسيرة الماضي ، بل تحول تجاربها إلى دروس للمستقبل . وهذا ما فعله المغرب حين أدرك أن معارك القرن الحادي والعشرين لا تحسم بالبنادق والمدافع وحدها ولا بالبيانات السياسية ، وإنما بالموانئ وخطوط الغاز والاستثمارات والشراكات وبناء المصالح المتبادلة .
فالمبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي ليست مجرد مشروع للتعاون جنوب جنوب ، بل هي رؤية جيوسياسية عميقة تجعل المغرب مركزا لربط إفريقيا بالعالم وتحول التنمية إلى أقوى أدوات الدبلوماسية .
ثم جاء مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري ليؤكد أن المملكة لم تعد تتحرك بمنطق ردود الأفعال وإنما بمنطق صناعة المستقبل . فهذا المشروع العملاق لا ينقل الغاز فقط ، بل ينقل معه موازين النفوذ ويعيد رسم الخريطة الاقتصادية لغرب إفريقيا ويجعل من المغرب شريكا استراتيجيا لدول القارة ولأوروبا في مجال الأمن الطاقي .
وفي الوقت نفسه أخذت مواقف القوى الدولية تتغير تباعا . فالدعم الذي أعلنته الولايات المتحدة ثم توالي مواقف فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة وغيرها من الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية للحل ، لم يكن وليد الصدفة ، بل جاء نتيجة عمل دبلوماسي متواصل، قوامه الواقعية والمصداقية وبناء الثقة .
أما داخل الأمم المتحدة فقد كرست قرارات مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة مقاربة سياسية واقعية وعملية مع استمرار الإشارة إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارا جديا وذا مصداقية ، كما حافظت على إشراك الجزائر في المسار السياسي والموائد المستديرة بما يعكس الاعتراف بدورها في هذا النزاع بعد سنوات كان الخطاب الرسمي الجزائري يصر فيها على تقديم نفسه باعتباره مجرد طرف غير معني .
إن التحول الحقيقي الذي حققه المغرب لا يقاس فقط بعدد الدول التي سحبت اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية ، ولا بعدد القنصليات التي افتتحت في مدينتي العيون والداخلة ، بل يقاس قبل كل شيء بقدرته على تغيير طبيعة النقاش الدولي ؛ فبعد أن كان الجدل يدور حول وجود نزاع ، أصبح النقاش ينصب أكثر فأكثر على الكيفية الواقعية لتسويته .
وفي خضم هذا التحول يظل ملف الصحراء الشرقية حاضرا في الذاكرة التاريخية المغربية . فهناك من يرى أن الاستعمار الفرنسي اقتطع أجزاء من التراب المغربي وألحقها بالجزائر إبان الحقبة الاستعمارية . ورغم أن المغرب لم يجعل هذا الملف محورا لتحركه الدبلوماسي ، فإن استحضاره في النقاشات التاريخية يذكر بأن قضايا الحدود في المنطقة أكثر تعقيدا من الصورة التي حاول البعض رسمها لعقود .
لقد راهن المغرب على الزمن ، لكنه لم ينتظر الزمن . راهن على التنمية ، لكنه لم يهمل الدبلوماسية . راهن على إفريقيا ، دون أن يدير ظهره لأوروبا وأمريكا . ولذلك لم يعد ملف الصحراء مجرد قضية حدود ، بل أصبح عنوانا لرؤية دولة اختارت أن تواجه خصومها بالمشاريع بدل الشعارات ، وبالإنجاز بدل الضجيج .
وهكذا ، إذا كان خصوم المغرب قد نجحوا في مرحلة من التاريخ في فرض حرب استنزاف طويلة ، فإن المغرب يبدو اليوم قد نجح في فرض حرب من نوع آخر ، حرب التنمية وحرب المصالح وحرب كسب الحلفاء . وهي معارك قد تكون أقل صخبا ، لكنها في عالم السياسة أكثر حسما وأبعد أثرا .