ما بين الورع الإداري والبطش: دروس قاسية من سقوط مسؤول سابق بمراكش .
عبد الصادق النوراني .
في المدن التي تتقاطع فيها السلطة بالنفوذ، كثيرا ما يظهر بعض المسؤولين بوجوه مطلية بالتقوى والوقار، يوزعون الابتسامات والنصائح الأخلاقية، ويحرصون على صناعة صورة الرجل الصالح أمام الناس، غير أن الممارسة اليومية تكشف أحيانا وجها آخر أكثر قسوة وتجردا من القيم التي يتم التبشير بها علنا.
وتحكي روايات متداولة داخل أحد القطاعات الإدارية بمدينة مراكش عن مسؤول سابق استطاع، في فترة من الفترات، أن يبني حول نفسه هالة من الزهد والتدين، مستندا إلى خطاب أخلاقي ومظاهر خارجية توحي بالورع والتواضع. فقد كان، بحسب من عايشوه، يوظف الرموز الدينية بعناية؛ لحية كثيفة يغزوها قليل من الشيب، وأثر سجود واضح على الجبين، وحديث لا يخلو من الوعظ والإرشاد.
غير أن الصورة التي انبهرت بها بعض الأوساط الإدارية سرعان ما بدأت تتصدع بمجرد تمكن الرجل من مفاصل القرار داخل المؤسسة التي كان يشرف عليها. فبدل أن يتحول إلى مسؤول منصف متسامح يعيد الاعتبار لكرامة الموظفين، تتحدث شهادات متقاطعة عن مرحلة اتسمت بالبطش والترهيب وتصفية الحسابات المهنية مع عدد من المرؤوسين، بعضهم وجد نفسه مطرودا من عمله ومحروما من حقوقه الإدارية ( ما يفوق 24 موظف ) .
وتشير الروايات ذاتها إلى أن الرجل أحاط نفسه بدائرة ضيقة من الموالين والمقربين، الذين تحولوا، وفق تعبير متداول بين الموظفين، إلى ما يشبه “ميليشيا إدارية” مهمتها مراقبة الأصوات المنتقدة وجل القطاع حقل تجارب لكل جديد قبل الإنتقال للمدن المغربية الأخرى، في مشهد يعكس كيف يمكن لبعض المسؤولين أن يحولوا الإدارة من فضاء لخدمة القانون إلى مجال لتصفية الحسابات وإخضاع البشر.
الأخطر في هذه الحكاية ليس فقط ما يروى عن الشطط الإداري والبطش ، بل ذلك التناقض الصارخ بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية. فكم من مسؤول رفع شعارات النزاهة والإصلاح، بينما كانت قراراته اليومية تمعن في سحق الضعفاء والتنكيل بالمرؤوسين؟ وكم من موظف بسيط دفع ثمن رفضه التطبيل أو الانخراط في شبكة الولاءات؟
ومن بين القصص التي يتداولها البعض في هذا السياق، حكاية خلاف مالي بين المسؤول السابق وأحد المقربين منه، بعدما حصل، حسب الرواية المتداولة، على مبلغ مالي مهم في إطار دين شخصي ( سلف اللهوالإحسان) ، قبل أن يتحول الأمر لاحقا إلى نزاع انتهى، وفق ما يروى، بمنطق (الفضل الإداري مقابل المال) ، في صورة تختزل كيف يمكن للنفوذ أن يفسد حتى العلاقات الإنسانية البسيطة.
اليوم، وبعد سنوات من السلطة والنفوذ والبطش ، يعيش هذا المسؤول وضعا صحيا صعبا انتهى بإحالته على التقاعد بسبب أمراض متكررة وخطيرة. وبين من يعتبر ما يحدث مجرد ابتلاء إنساني يستوجب التعاطف والدعاء، ومن يراه انعكاسا رمزيا لآهات المظلومين ودعواتهم، يبقى الثابت أن الظلم الإداري، مهما طال زمنه، يترك ندوبا لا تمحى في النفوس والأسر والمسارات المهنية.
إن العبرة من مثل هذه القصص ليست الشماتة في المرض أو السقوط، فالأقدار بيد الله وحده، وإنما التذكير بأن المسؤولية تكليف أخلاقي قبل أن تكون امتيازا وظيفيا، وأن السلطة حين تنفصل عن الرحمة والعدل تتحول إلى لعنة على صاحبها قبل غيره.
وفي زمن تتعالى فيه الدعوات إلى تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تبدو الحاجة ملحة إلى القطع مع نموذج المسؤول المتدين شكلا والمتسلط فعلا ، لأن أخطر أشكال الفساد ليس فقط نهب المال العام والتسلط والبطش ، بل أيضا استغلال الدين والرمزية الأخلاقية لتبرير القمع الإداري وإخضاع الناس باسم الفضيلة .