الضجة، CNOPS تفرج عن التعويضات، لكن الأسئلة الثقيلة ما تزال بلا جواب .
بقلم عبد الصادق النوراني .
لم يكن الأمر يحتاج إلى معجزة، ولا إلى كرم استثنائي من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، حتى يتم الإفراج عن تعويضات آلاف المنخرطين التي ظلت معلقة لأزيد من عشرين يوما، رغم أن الموقع الرسمي لـCNOPS كان يؤكد منذ البداية أنها مؤداة . كل ما احتاجه الملف هو ارتفاع منسوب الغضب، واتساع دائرة التساؤلات، وتحول معاناة المرضى والمتقاعدين إلى قضية رأي عام.
وفجأة، وبعد نشر المقال النقدي بالجريدة بعنوان ( لغز الأموال التائهة بين كنوبس والبنوك . من يعبث بتعويضات المرضى؟) بتاريخ 6 يونيو 2026 الذي سلط الضوء على هذا العبث الإداري المثير للريبة، بدأت التعويضات تظهر في الحسابات البنكية للمنخرطين، وكأن شيئا ما تحرك في الكواليس. لكن الإفراج المتأخر عن الأموال لا يلغي جوهر الفضيحة، بل يعيد طرح السؤال الأكثر إحراجا وحدّة: أين كانت هذه الأموال طوال تلك المدة؟ ولماذا تم الإعلان عن أدائها قبل وصولها الحقيقي إلى أصحابها بأسابيع؟
إن القضية اليوم لم تعد مجرد تأخير تقني عابر يمكن التستر عليه بعبارات جاهزة ومطاطة، بل تحولت إلى أزمة ثقة حقيقية بين مؤسسة يفترض أنها اجتماعية، وبين منخرطين يؤدون مساهماتهم بانتظام ودون تأخير.
فحين يصبح المنخرط مضطرا إلى مطاردة تعويضاته الصحية كما لو كان يتسول حقا ليس له، فذلك مؤشر خطير على اختلال عميق في منطق التدبير والتواصل والشفافية.
الأخطر من ذلك، أن CNOPS لم تكلف نفسها حتى عناء تقديم توضيح رسمي للرأي العام أو للمنخرطين حول أسباب هذا الفراغ الزمني الغامض بين تاريخ الأداء المعلن وتاريخ التحويل البنكي الفعلي. وكأن المؤسسة تعتبر أن وصول الأموال في النهاية كاف لإغلاق الملف ودفن الأسئلة المقلقة التي تفجرت بقوة خلال الأيام الماضية.
لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن أموال التعويضات ليست أموالا خاصة بالمؤسسة، بل حقوق مالية واجتماعية تخص مرضى ومتقاعدين وموظفين اقتطعت مساهماتهم مسبقا من أجورهم ومعاشاتهم. وبالتالي فإن أي تأخير غير مبرر، وأي تضارب في المعطيات المنشورة، يفرض ضرورة المساءلة والتوضيح، لا الصمت والهروب إلى الأمام.
لقد كشفت هذه الواقعة مرة أخرى أن الرقمنة وحدها لا تصنع الشفافية، وأن نشر عبارة تم الأداء على تطبيق إلكتروني لا يعني شيئا إذا كانت الحسابات البنكية للمنخرطين تروي حقيقة مختلفة تماما. فالمصداقية لا تقاس بالشعارات الرقمية، بل بتطابق المعلومة مع الواقع.
واليوم، وبعد أن خرجت التعويضات أخيرا من منطقة الظل إلى حسابات أصحابها، يبقى السؤال معلقا كاتهام ثقيل في وجه CNOPS: من كان يحتفظ بهذه الأموال طوال تلك المدة؟ ولماذا؟ وهل يتعلق الأمر فقط بسوء تدبير، أم أن هناك خللا أعمق يحتاج إلى فتح تحقيق حقيقي وشفاف؟
إن المنخرطين لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل فقط الإحترام، والوضوح، والحق في معرفة الحقيقة كاملة. لأن المؤسسات الاجتماعية التي تفقد ثقة المواطنين، تفقد قبل ذلك مبرر وجودها .