الدقة أول ضحايا التسريبات.. من يحقق في التحقيقات؟

0

محمد الهروالي

الخطير فيما وقع ويقع، وربما سيستمر وقوعه، من تسريبات وتحقيقات صحفية ليس فقط حجم الفساد الذي يتم الحديث عنه، بل حتى بافتراض صحة المعطيات؛ فإن كل ما يبدو صحيحا قد لا يكون دقيقا بالضرورة.

تكمن الخطورة أيضا في كون كثير من هذه التسريبات والتحقيقات تسير في اتجاه واحد: فضح بمنطق التشهير، وتشهير يهدف إلى القتل الرمزي والمعنوي لأشخاص على حساب آخرين لتنحيتهم من الساحة السياسية.

 

إن عنصر الدقة، الذي يغيب عن جزء كبير مما ينشر، يظل الأكثر حساسية وخطورة. وهنا يبرز سؤال جوهري: من المسؤول عن غياب هذه الدقة؟

المفروض أن تضطلع وسائل الإعلام المدعومة دعما سمينا من المال العام بدورها الأساسي في تعميق البحث والتحقق من القضايا الرائجة، واستقصاء مستجداتها، ودوافعها، ومدى صدقيتها ومعقوليتها، وسياقاتها المختلفة، حتى تكتمل الصورة أمام الرأي العام.

فما الذي يمنعها من القيام بهذا الدور، كأساس قيام هذه المهنة الشريفة؟

أولاً: الخوف. فالإعلام اليوم أصبح هشا إلى حد بعيد، رأسا أصلعا “منين ما ضربتيه يسيل الدم، نتيجة الريع المؤسس والإشهار المسيس، ما يجعل هامش الإقدام محدود في مقابل زيادة الضبط الذاتي.

ثانياً: غلبة منطق الربح. لقد أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية تتعامل مع القضايا الكبرى المهمة بمنطق العائد المادي أكثر من المنفعة القيمية، وبحسابات تجارية أكثر من اعتبارات أخلاقية. فالسؤال الذي يحكم الخطوط التحريرية اليوم ليس ما الحقيقة التي ينبغي أن تصل إلى الجمهور؟ بل ماذا سأربح من نشرها أو الدفاع عنها؟

 

ثالثاً: ضعف الكفاءة والتكوين. فجزء من المالكين لوسائل الإعلامي لا يمتلكون المعرفة الكافية بقواعد وأخلاقيات الممارسة الإعلامية والصحفية، بينما يدرك آخرون هذه القواعد جيدا، لكنها لا تربحهم ماديا.

لذلك، فإن المشكلة الحقيقية ليست في وجود التسريبات أو التحقيقات الصحفية في حد ذاتها، بل في غياب منظومة مهنية قادرة على التحقق والتدقيق والتأطير والتفسير. فالإعلام لا يؤدي وظيفته المجتمعية عندما يكتفي بالنقل أو التشهير، بل عندما يساعد المواطن على الفهم وبناء موقف صحيح قائم على الحقائق وفهم السياقات معا.

اترك رد