آن الأوان لدفن ريع التفرغ النقابي والتعاضدي

ريع التفرغ النقابي والتعاضدي

0

صوت الأحرار / عبد الصادق النوراني .

في زمن تتحدث فيه الدولة عن ترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة وإصلاح الإدارة ، لا يزال أحد أكثر مظاهر الريع صمودا واستعصاء على الإصلاح قائما ، وهو ريع التفرغ النقابي والتعاضدي ؛ ذلك الامتياز الذي فقد منذ زمن طويل كل مبرراته القانونية والأخلاقية وتحول في كثير من الحالات إلى مكسب دائم يؤدى ثمنه من المال العام .
إن الدفاع عن حقوق الموظفين واجب والعمل النقابي حق دستوري لا ينازع فيه أحد ، كما أن العمل التعاضدي يمثل قيمة تضامنية نبيلة . غير أن تحويل هذا الحق إلى وسيلة للإعفاء الدائم من أداء الواجب الوظيفي مع الاحتفاظ بكامل الأجر والترقيات والتعويضات يطرح سؤالاً مشروعا ، هل نحن أمام ممارسة نقابية أم أمام امتياز لا يحظى به سائر الموظفين ؟
فالأصل في الوظيفة العمومية أن الأجر يقابل عملا وأن الموظف يتقاضى راتبه لقاء خدمة يقدمها للمرفق العام . أما أن يستمر بعض المتفرغين سنوات بل أحيانا عقودا بعيدين عن مكاتبهم بينما تتحمل الإدارة آثار غيابهم ويتحمل زملاؤهم عبء العمل ، فإن ذلك يفرغ مبدأ المساواة من محتواه ويجعل المال العام يؤدي فاتورة لا علاقة لها بالخدمة العمومية .
لقد أصبح التفرغ لدى البعض مسارا مهنياً قائما بذاته لا يخضع لتقييم الأداء ولا لمؤشرات الإنتاجية ولا حتى للمساءلة التي يخضع لها الموظف العادي . والأخطر أن هذا الواقع يسيء إلى صورة النقابات نفسها لأن المواطن لم يعد يميز بين العمل النقابي الشريف وبين الامتيازات التي التصقت به عبر السنين .
إن النقابي الحقيقي لا تقاس قيمته بعدد سنوات التفرغ ، وإنما بقدرته على الدفاع عن حقوق من يمثلهم سواء كان داخل مقر عمله أو خارجه . بل إن الاحتكاك اليومي بواقع الإدارة ومعاناة الموظفين يمنح العمل النقابي مصداقية أكبر ويجعله أكثر ارتباطا بانشغالات القواعد .
ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يقتضي القطع مع هذا الوضع وإلغاء التفرغ الدائم وتعويضه بآليات قانونية مؤطرة، كالرخص المحددة زمنيا أو الساعات النقابية المنظمة بما يضمن ممارسة الحق النقابي دون الإضرار باستمرارية المرفق العام أو إثقال كاهل المالية العمومية .
لقد ولى زمن الامتيازات غير المبررة . والمغرب وهو يرفع شعار تخليق الحياة العامة ومحاربة الريع ، مطالب بأن يكون منسجماً مع نفسه . فلا يعقل أن تستمر بعض أشكال الريع لأنها تحمل صفة نقابية أو تعاضدية ، بينما يتم التضييق على مظاهر أخرى من الامتيازات .
إن احترام العمل النقابي لا يعني تحصينه من النقد ، كما أن الدفاع عن الحرية النقابية لا يبرر استمرار امتيازات لم تعد تتلاءم مع متطلبات الحكامة الحديثة . فالإصلاح الحقيقي لا يستثني أحدا والمال العام ليس ملكاً لفئة دون أخرى .
وإذا كانت الدولة جادة في بناء إدارة حديثة ، فإن أولى خطواتها هي أن تجعل القاعدة واحدة للجميع : من يؤدي عمله يستحق أجره ، ومن يختار العمل النقابي أو التعاضدي فإنه يمارسه باعتباره رسالة تطوعية وخدمة عامة لا بابا إلى امتياز دائم أو ريع مستتر .
إن معركة الإصلاح لا تكتمل إلا بإسقاط آخر الحصون التي احتمى بها الريع الإداري وفي مقدمتها نظام التفرغ النقابي والتعاضدي حتى تستعيد الوظيفة العمومية معناها الحقيقي ويستعيد المواطن ثقته في أن المال العام يصرف حيث يجب أن يصرف ، لا حيث تفرضه الأعراف والمصالح .

اترك رد