من يتحمل المسؤولية في غزو النفايات والأزبال لأحياء وشوارع مراكش .
عبد الصادق النوراني .
ليست أكوام الأزبال التي باتت تنتشر في عدد من أحياء مراكش وخاصة بمقاطعة المنارة وحي المحاميد مجرد مشهد عابر يمكن التعايش معه أو اعتباره نتيجة ظرفية لاختلال تقني أو اجتماعي . إنها في الحقيقة مؤشر واضح على خلل في منظومة تدبير مرفق حيوي يرتبط مباشرة بصحة المواطنين وجودة عيشهم وصورة مدينة تعد من أهم الوجهات السياحية في العالم .
ولعل ما يزيد من خطورة الوضع أن التحذيرات من تفاقم هذه الظاهرة لم تكن وليدة اليوم ، بل سبقتها أصوات كثيرة نبهت إلى تناميها قبل أن تتحول إلى واقع يومي يؤرق الساكنة . غير أن تلك النداءات ظلت للأسف تصطدم بجدار التجاهل إلى أن أصبحت الأزبال نفسها موضوع نقاش داخل مجلس جماعة مراكش بعد أن دق رئيس مجلس مقاطعة المنارة البرلماني عبد الواحد الشافقي ناقوس الخطر داعياً إلى تدخل عاجل لمعالجة هذا الملف الذي لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل .
ولا يمكن في الإنصاف تحميل المسؤولية لطرف واحد . فالجماعة الترابية مطالبة بتقوية المراقبة والتتبع ، والشركة المفوض لها تدبير قطاع النظافة مطالبة بالوفاء بالتزاماتها التعاقدية ، والسلطات المحلية مطالبة بالسهر على احترام دفاتر التحملات ، ومجالس المقاطعات مطالبة بالترافع اليومي عن قضايا الساكنة وعدم انتظار وصول الأزمة إلى مرحلة الانفجار .
لكن في المقابل لا يجوز أيضا إعفاء بعض المواطنين من مسؤوليتهم الأخلاقية والمدنية . فكم من حاوية يتم رمي النفايات خارجها بدل داخلها ؟ وكم من مخلفات البناء والأثاث المنزلي تُلقى في جنح الليل فوق الأرصفة والمساحات الخضراء والفراغات العمومية ؟ وكم من سلوكات غير مسؤولة تساهم في تحويل الأحياء إلى نقط سوداء حتى عندما تمر شاحنات جمع النفايات بانتظام ؟ إن الحفاظ على نظافة المدينة يبدأ من سلوك الفرد قبل أن يكون مسؤولية المؤسسة .
إن موجة الحرارة التي تعرفها مراكش هذه الأيام تضاعف من خطورة استمرار هذا الوضع ليس فقط بسبب الروائح الكريهة ، بل أيضاً لما تشكله النفايات المتراكمة من بيئة خصبة لتكاثر الحشرات والقوارض وانتشار الأمراض ، وهو ما يجعل التدخل السريع ضرورة صحية قبل أن يكون مطلبا جماليا .
واليوم لم يعد المطلوب تبادل الاتهامات أو البحث عن شماعات تعلق عليها أسباب الأزمة ، بل المطلوب هو الانتقال إلى الفعل وذلك عبر مراجعة منظومة تدبير قطاع النظافة وتشديد المراقبة على الشركة المفوض لها وتوفير عدد كافٍ من الحاويات في الأحياء التي تعرف كثافة سكانية مرتفعة مع إطلاق حملات تحسيسية لترسيخ ثقافة احترام الفضاء العام وتفعيل العقوبات القانونية في حق كل من يلوث الشارع أو يتخلص من نفاياته بشكل عشوائي .
إن نظافة المدينة ليست ترفا ، بل عنوان لتحضرها ومرآة تعكس وعي سكانها وكفاءة مسؤوليها . ومراكش بما تمثله من مكانة تاريخية وسياحية وحضارية تستحق أن تستعيد بريقها بعيدا عن مشاهد الأزبال التي تسيء إليها وإلى ساكنتها قبل زوارها .
فحين تتراكم النفايات لا تتلوث الشوارع وحدها ، بل تتلوث أيضا صورة المدينة في أعين أهلها وزائريها . أما المدينة النظيفة ، فهي مسؤولية مشتركة لا تنتصر فيها جهة بمفردها بل ينتصر فيها الجميع .