كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على هامش الملتقى الوطني للمهن النوعية للإدارة القضائية

0

صوت الأحرار/ مراكش


كلمة السيد مصطفى فارس، الرئيس  المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على هامش الملتقى الوطني للمهن النوعية للإدارة القضائية تحت شعار ” هيئة كتابة الضبط بين إشكال الهوية وسؤال التنوع”

بسم الله الرحمان الرحيم
والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

اسمحوا لي أن أعبر لكم عن مشاعر الاعتزاز والتقدير لدعوتكم الكريمة لحضور أشغال افتتاح هذا الملتقى الوطني للمهن النوعية للإدارة القضائية.

ملتقى يجسد تلاحم أسرة العدالة الموحدة بقيمها وبتضامنها وتدبيرها لتنوع مكوناتها في جو من الحوار والمسؤولية والمواطنة.
فكل الشكر والامتنان لودادية موظفي العدل في شخص رئيسها الأخ المحترم عبد الصادق السعيدي وكل أعضاء مكتبها المركزي على هذه المبادرة المتميزة التي تعطي نفسا جديدا ودينامية ملموسة للعمل الجمعوي المهني الرصين.

والشكر موصول لكل ممثلي المهن النوعية للإدارة القضائية والمتدخلين المشاركين في هذا الحدث الوطني الهام الذين سيساهمون بخبرتهم وممارستهم العملية في بلورة تصورات ومقاربات جديدة تتيح لنا الوصول إلى الحكامة والنجاعة المطلوبتين خدمة للأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها العدالة ببلادنا.

الحضور الكريم؛

لقد كانت بلادنا ومعها العدالة دائما غنية بتنوعها، قوية بقدرتها على استيعاب تعددها في ظل بوثقة منصهرة في مشروع مجتمعي موحد بأهدافه ورؤيته ورسالته.

مشروع يروم تكريس دولة الحق والمؤسسات ومرتكز في الكثير من دعاماته على عدالة كفأة نزيهة حديثة قريبة من انتظارات المتقاضين وتطلعاتهم.

وهي تحديات لم يعد بإمكان أي مكون أن يرفعها ويواجهها لوحده في إطار مقاربة ينفرد فيها بالتسيير والتدبير ووضع المخططات والاستراتيجيات .

اليوم العدالة عبر العالم مطلوب منها ضمان الحقوق وتكريس الحريات وتنويع الخدمات وتجويدها والبت في القضايا داخل آجال معقولة والإسراع بالإجراءات وتفعيل التنفيذ وضمان الأمن القضائي في كل أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتضامنية والحقوقية.

متقاض اليوم أصبح يطالب بالنجاعة والحكامة والشفافية والتخليق، وهي متطلبات تلزم كل مكونات أسرة العدالة وخاصة عمودها الفقري القضاة وأطر وموظفي كتابة الضبط بالعمل بروح الفريق في انسجام وتناغم وفق خطة عمل فعالة تنصهر فيها الصفات وتحدد فيها المهام والمسؤوليات وتتوحد فيها الجهود بعيدا عن أي نظرة فئوية ضيقة.

وهنا اسمحوا لي أن أعبر لكم بكل صدق وموضوعية عن اعتزازي الشخصي الكبير بالاشتغال طيلة مساري المهني مع عدد من نساء ورجال كتابة الضبط الذين كانوا مثالا للاجتهاد والتضحية والبذل والعطاء رغم غياب الإمكانات والتحفيزات وانعدام الظروف المواتية للعمل.

موظفون أفذاذ تعلمنا من التزامهم وخبرتهم وإخلاصهم وكفاءتهم وكانوا خير سند ودعم وعون من أجل أداء رسالة القضاء في كل معانيها وتجلياتها ويستحقون منا اليوم الكثير من العرفان والشكر والامتنان.

السيدات و السادة الأفاضل؛

لا شك أن المحددات الدستورية والقانونية والتنظيمية ومخرجات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة وغيرها من الوثائق المرجعية الأساسية أسست لمبادئ استقلال السلط وتوازنها وتعاونها وحددت المجالات الحصرية لكل من العمل القضائي والعمل الإداري وبينت ما ينبغي تدبيره كمشترك بينهما في إطار من التنسيق والإشراف.

هو ما يدعونا إلى أن نركز كأولوية في انشغالاتنا واهتمامنا هو كيف يمكن جعل هذا التعدد وهذا التنوع رأسمالا لا ماديا ننال به ثقة المتقاضين ونحقق به العدالة ونفعل به مضامين الرؤية الملكية لإصلاح العدالة ونكون في مستوى الانتظارات والتطلعات المتعددة.

لقد فرض علينا تعقد عملية إنتاج العدالة كثرة المتدخلين والمساهمين بل وحتى داخل نفس المكون بدأت تظهر تخصصات متعددة وفئات مختلفة وأصبحنا مطالبين جميعا اليوم بخلق جسور بينها في إطار منظومة شاملة.

وهو ما ظهر جليا في الرؤية الملكية التي تجسدت في العديد من خطاباته السامية ومنها خطابه التاريخي لسنة 2009 بمناسبة ثورة الملك والشعب الذي وضع فيه جلالته خارطة إصلاح مرتكز على محاور ستة في إطار مقاربة تشاركية مندمجة .

محاور يستشف منها بجلاء الربط الدائم بين القضاء وكتابة الضبط في إشارة قوية الرمزية على مركزيتهما وعلى ضرورة إصلاح وضعيتهما والاهتمام بتأطيرهما وتكوينهما وتخليقهما وتأهيلهما معا لرفع تحدي إصلاح منظومة العدالة.

إننا وبعد كل التراكمات الإيجابية التي عرفتها بلادنا في مجال العدالة ملزمون اليوم بتجسيد كل هذه المخرجات في إطار مشاريع عملية واضحة بكل وطنية ومهنية وضمير مسؤول.

لا مجال في عدالة اليوم لأي مقاربة تجزيئية ضيقة أو فكر فئوي، الجميع مطالب باستثمار التنوع والإجابة عن الأسئلة الآنية لعدالة فعالة منصفة.

الحضور الكريم؛

ونحن نساهم اليوم في تكريس بناء سلطة قضائية برؤية دستورية وتنظيمية وحقوقية جديدة وبخطوات كبرى مضبوطة لابد أن نستحضر عدة ثوابت ومتغيرات .

ثوابت من قبيل أن هدفنا ورسالتنا جميعا من كل هذه المشاريع والأوراش والبرامج واللقاءات يجب أن يكون هو التطبيق العادل للقانون وخدمة المتقاضي وتكريس الأمن القضائي كما هو ثابت في المرجعية الملكية والدستورية، وهو ما يفرض علينا بكل يقين الانصهار جميعا في بوثقة عدالة مواطنة تنصهر فيها الحدود النفسية بين كل المكونات وعدم الالتفات للآراء والمواقف الشاردة التي تريد تفريق هذه الأسرة الموحدة منذ عشرات السنين بتقاليدها وقيمها ورسالتها .

قيم تفرض علينا الموضوعية والاحتكام إلى الضمير المسؤول فرديا وجماعيا، وتقاليد تلزم الجديد منا باحترام وتقدير القديم وتفرض على المؤسسين الأخذ بيد الجيل الجديد قضاة وأطر كتابة الضبط وموظفين.

تقاليد أصيلة ممتدة جعلتنا دائما جسدا واحدا يستمد قوته من تنوعه و يستلهم روحه المتجددة الديناميكية من الأجيال المتعاقبة عليه، وحكمة مواقفه من أعضائه الذين خبروا دروب العدالة خلال سنوات طوال من التجربة والمراس ، أسرة تحتوي الخلافات الفردية وتستتثمر الاختلاف والتعدد ولا مكان فيها للصراع مادامت المصلحة والهدف الوحيد هو مصلحة الوطن.

وفِي هذا السياق لابد أن أذكر بكثير من الاعتزاز تجربة محكمة النقض في مجال التخطيط الاستراتيجي المعتمدة على رؤية واحدة لروح فريق موحد قضاة وأطرا وموظفين بأهداف محددة ورسالة واضحة وآليات تتبع وتواصل شفافة دون أن نترك الفرصة لأي شوائب يمكن وصفها بأنها حالة من حالات التنافر والتجاذب والخلاف وهو ما خولنا تحقيق نتائج متميزة إيجابية ثابتة في مجال النجاعة والجودة والتحديث وغيرها من المحاور الأساسية التي ينتظرها المتقاضون وعموم مرتفقي القضاء.

زميلاتي زملائي الأفاضل؛

وأنتم تكرمون أحد الأطر السابقين بكتابة الضبط الذي التحق بسلك القضاء، فإنكم تدعمون مطلبا طالما ناديت به لعشرات السنين ألا وهو ضرورة الانفتاح على أسرتكم العتيدة من أجل الاستفادة من أطرها التي تتوفر على الشروط والمؤهلات والخبرات اللازمة لتولي أمانة القضاء والفصل في الخصومات.

قناعة عبرت عنها في عدد من المحطات لإيماني العميق بأنكم أكثر فئة قادرة على تحمل هذه المسؤولية الجسيمة لاعتبارات موضوعية متعددة.

وأغتنم هذه المناسبة للدعوة إلى ضرورة إجراء تعديلات تشريعية تخولنا اختيار الكفاءات المشهود لها بالتجربة والخبرة والتكوين وهو ما سيجنبنا العديد من المشاكل التي نعاني منها اليوم.

وإني إذ أثمن اليوم هذه المبادرة التي تؤسسونها كنموذج يحفز باقي العناصر على الاجتهاد والترقي، فإني أؤكد لكم أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية سيبقى دائما منصتا لكافة انشغالاتكم حريصا على التفاعل الإيجابي معها وأبوابنا ستكون دائما مفتوحة أمام مشاريعكم وانتظاراتكم بكل جدية وتقدير.

ولن أضيف جديدا إذا أكدت مرة أخرى أمامكم مدى تقديرنا لكل ما تبذلونه من تضحيات بتفان ووطنية وسنكون كما عهدتمونا في طليعة من يدافع إلى جانبكم بقناعة عن حقوقكم ومطالبكم المشروعة.
نسأل العلي القدير أن يوفقنا جميعا لنكون أسرة موحدة تبر بالقسم الذي أدته وفي مستوى العناية الملكية الموصولة التي يسبغها جلالته على نساء ورجال العدالة والقضاء، وأن يجعل الفلاح والسداد حليفنا في ما نحن مسؤولون عليه كل واحد منا من موقعه ومهامه.

وفِي الختام؛

أجدد لكم عظيم شكري على دعوتكم ودعمي لكل مبادراتكم مع متمنياتي الصادقة لأشغال هذا الملتقى بالتوفيق والنجاح .

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛

اترك رد