كتاب “مؤسسات الإسلام في عصر التأسيس، دعوة لجماعات الإسلامي السياسي لإعادة قراءة التراث دون انتقاء

0

الرباط ــ مريم التيجي

  يعتبر كتاب “مؤسسات الإسلام في عصر التأسيس.. جدلية الشريعة والسلطة والمجتمع” للدكتور المصطفى تاج الدين، نقدا هادئا وبأدوات علمية للشعارات التي قامت عليها الجماعات والحركات الاسلامية، أو ما بات يعرف ب “الإسلام السياسي”.

لقد كان الكاتب كما يصرح في مقدمة الكتاب وعلى غرار جيل كامل” ضحية رؤية صنمية للتراث. وهي الرؤية التي تخلقها الأفكار الكبرى أو الإيديولوجيات، حيث البحث الدائم على الانسجام المريح”

  إن عملية الانتقاء الكبيرة التي خضع لها التراث الإسلامي خلال القرن العشرين، رسمت في أذهاننا صورة نمطية عن المجتمع الإسلامي الذي لم يكن له وجود حقيقي إلا في خيالاتنا الحالمة، وكان سبب هذه الخيالات التي ضحى من أجلها من تلبستهم بالنفس والنفيس، هو ذلك التقديم الانتقائي للتراث، و”حين نتحدث عن عدل عمر بن الخطاب، أو زهد عمر بن عبد العزيز، فإننا لا نفعل ذلك من قراءة شاملة لسياسة هذين الرجلين العظيمين، ولكننا نفعل ذلك بوحي من أخبار منتقاة بحنكة لكي نكون عنهما صورة ذهنية بعيدة عن الواقع وقريبة من الأسطورة” كما يقول الكاتب.

  وتكمن خطورة تحويل وقائع تاريخية حدثت في الماضي إلى نموذج يحتدى، وإلى أسطورة يتوق الحالمون بالعدالة والفضيلة إلى عيشها من خلال استعادة الدولة الإسلامية المنشودة التي لا يخاف فيها الراعي على غنمه من الذئب الذي صار حملا وديعا يجلس وسط القطيع بأمان، هو أن هذه الوقائع التاريخية تتحول إلى معيار مقدس يتم إكراه الواقع للانسجام معه.

وأمام استحالة ذلك، يعيش الخاضعون لسطوة هذه للأسطورة، حالة من الاغتراب عن مجتمعاتهم وعن زمنهم، وقد يتطور الأمر إلى التطرف ثم إلى الإرهاب.

  إن كتاب “مؤسسات الإسلام في عصر التأسيس” يحاول إعادة رسم ملامح التاريخ الإسلامي في عصر التأسيس كما هو لا كما تخيلناه لسنين طويلة، بسبب تزييف الوعي الجماعي الناتج عن أسطرة التراث.

ويركز الكتاب على ثلاث مؤسسات رئيسية. وهي مؤسسة القضاء، ومؤسسة الخراج، ومؤسسة السجون.

ففي الوقت الذي صورت لنا عمليات أسطرة (من الأسطورة) التراث، أن القضاء في المجتمع الإسلامي الأول كان مكتملا وكان عادلا بشكل مثالي، وصورت لنا المسلسلات الدينية القضاة على أنهم كانوا ملائكة يمشون على الأرض ويملؤنها عدلا ورحمة، لا فرق عندهم بين المسلم وغير المسلم.

  يعود بنا الدكتور المصطفى تاج الدين في كتابه، إلى بدايات التشريع الإسلامي، مستندا على مصادر تاريخية وحديثية تؤكد أن التشريع لم يولد مكتملا، وأن القضاة الأوائل لم يكونوا يعتمدون على القرآن والسنة، كما جاء في أحد الأحاديث النبوية الشريفة، بل كانوا بالأساس يعتمدون على الرأي من خلال آلية التحكيم التي ورثها المسلمون عن المجتمع القبلي الذي عاشوا فيه قبل الإسلام.

ونتج عن ذلك تباين أحكامهم من منطقة إلى أخرى، ومن نازلة إلى أخرى.

  بل إن مؤسسة القضاء لم تنضج الا في بداية القرن الثالث الهجري. كما كانت عدالة القضاة نسبية، تتداخل فيها عدة مؤثرات، وكان منهم من يشرب الخمر ومنهم من يجلس ويهتم بمجالس الطرب والغناء.. كما دلت المصادر التاريخية التي يوثقها الباحث في كتابه.

  وفي مبحث آخر، يعيد الكاتب للتاريخ واقعيته، من خلال إبراز مرونة السياسات المالية منذ عهد النبوة، مرورا بما بعدها في حياة الصحابة الذين راكم بعضهم ثروات كبيرة، مما أجج صراعات مصالح فيما بينهم حيث أن “طائفة من الصحابة ارتأت الدفاع عن مصالحها في وجه الخلفاء الذين يحاولون الحد من امتيازاتهم، كما فعلوا مع عمر بن الخطاب حينما رفضوا تقسيم أرض العراق مع أنهم أيدوه حينما خالف سياسة سلفه أبي بكر في التسوية في العطاء لصالح التفضيل، أي في النهاية تفضيلهم هم بوصفهم مؤسسي الإسلام ومادته الأولى”

  ما يخلص له القارئ أن السياسة المالية للدولة الإسلامية في عصر تأسيسها، كانت محكومة بواقعها الإنساني المتغير، ولم تكن مثالية مطلقة، بل إنها عرفت استخلاص الضرائب من تجارة المحرمات كالخمر والخنازير.

وفي الفصل المتعلق بالسجون، سيتضح لنا أكثر ذلك الفصل بين الدين والدولة منذ عصر التأسيس.

فقد كان هناك صنفان من العقوبات السجنية، صنف يفرضه ويطبقه القاضي باسم الشرع ولا يتجاوز دائرة الأموال والدماء، وصنف آخر يفرضه وينفذه الأمير ولا يجوز للقاضي التدخل فيه ويمكن تسميته بالسجن السياسي.

كما أن الرعية لم تكن متساوية أمام القانون عندما يتعلق الأمر بالعقوبات السجنية، حيث ذكر الكاساني في بدائع الصنائع، أن من مشايخه من “صنف أنواع التعزيرات العقابية على أساس الوضع الاجتماعي للمعاقبين، فقسموا المجتمع إلى أربعة أقسام:

1.أشراف الأشراف من العلوية والفقهاء

2. الأشراف كالقواد والدهاقين

3.الأوساط

4.السفلة

  وهذه التراتبية مثلت عاملا حاسما في إيقاع العقوبات وكميتها وشدتها، ولهذا فإن المدعى عليه إن كان رجلا ذا مروءة وخطر (من أهل المنزلة والقدر) استحسن ألا يحبس إن كان ذلك أول ما فعل، لأن السجن في الغالب عقوبة من قل قدره وكثر شره” ص323

  ويخلص الكاتب أن الإسلام مثل لحظة تحول تاريخي كبير نحو الأمام، لولا تداخل عنصرا القبلية والشعوبية في مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية، مما أدى إلى افراغ الدين من إحدى قيمه الأصلية وهي المساواة.

كما أن الصراع على السلطة مباشرة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، أجهض استثمار قيم الدين الجديد في بناء الدولة.

ونتيجة لما سبق، لم يسمح للقرآن أن يكون مصدرا تأسيسيا للتشريع، ولم يسمح المؤسسات بالابتعاد عن مزاج السلطة، “فالقضاء لم يكن مستقلا في عمومه، ولم تكن مؤسسة الخراج قائمة على نظرية إنتاج الثروة بل قامت فقط على التوزيع،.. يمكن القول أن الإسلام أنتج أفكارا كبرى و شخصيات عظيمة، لكنه عجز عن خلق مؤسسات. إن غياب التفكير المؤسسي كان حاسما في إبعاد المسلمين عن طريق التقدم، والسبب هو أن قوة المؤسسات عادة ما تأتي على حساب سلطة الفرد، ولكنها في المقابل تؤدي إلى الاستقرار.. “

  و يقع كتاب” مؤسسات الإسلام السياسي في عصر التأسيس.. جدلية الشريعة والسلطة والمجتمع” في 343 صفحة من الحجم المتوسط، وقد صدر عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء سنة 2018.

 

اترك رد