حزب ألماني يطالب بالخروج من منطقة اليورو والعودة إلى المارك الألماني

خطوة غير منتظرة أم مناورة سياسية

0

في خطوة أثارت حفيظة الأوساط الاقتصادية والسياسية في برلين، جدد حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف مطالبه الجدلية الرامية إلى تفكيك الارتباط النقدي ببروكسل، داعياً بشكل صريح إلى انسحاب أكبر اقتصاد في القارة العجوز من منطقة اليورو، وإعادة إحياء العملة الوطنية السابقة “المارك الألماني”.

وتأتي هذه التحركات لتستهدف واحدة من أهم الركائز التي بنيت عليها الوحدة الأوروبية، مما يضع مستقبل الاستقرار المالي في قلب التجاذبات السياسية داخل البلاد.لم تكن دعوة “البديل” وليدة الصدمة؛ فالحزب الذي ركّز في السنوات الأخيرة على ملفات الهجرة واللجوء، قرر العودة إلى أدبياته التأسيسية التي ظهر بها إلى العلن عام 2013 كحركة أكاديمية مناهضة لحزم الإنقاذ المالي الأوروبية.

ويرتكز الخطاب الحالي للحزب على فكرة “السيادة النقدية المستلبة”، حيث يرى قادته أن أموال دافعي الضرائب الألمان تحولت إلى أداة لتمويل ميزانيات الدول المتعثرة في جنوب أوروبا عبر ما يسمونه “اتحاد التحويلات القسري”. ويرى الحزب في “المارك الألماني” رمزاً للاستقرار الاقتصادي والازدهار الذي ميز عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويحاول استغلال التخوفات الشعبية من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة لإقناع الناخبين بأن العودة للعملة الوطنية هي طوق النجاة.

ورغم أن الوثائق الرسمية والبرامج الانتخابية الأخيرة للحزب تبنت بند الخروج من اليورو والاستفتاء على الاتحاد الأوروبي المعروف باسم “ديكسيت” بوضوح، إلا أن كواليس القيادة تشهد واقعية تكتيكية مغايرة. فقد ألمحت رئيسة الحزب، أليس فايدل، في تصريحاتها الأخيرة إلى أن “تفكيك اليورو بشكل منظم قد يكون أمراً فات أوانه من الناحية اللوجستية”، متوقعة بدلاً من ذلك أن النظام النقدي الموحد قد يواجه انهياراً ذاتياً.

وتكشف هذه المناورة الإعلامية عن محاولة الحزب موازنة خطابه الراديكالي الذي يرضي قواعده الانتخابية المتطرفة، مع تجنب إخافة قطاع الأعمال والشركات الألمانية المتوسطة التي تعتمد كلياً على التصدير والسوق الأوروبية الموحدة.وخلف هذه الشعارات السياسية، تصطدم طموحات الحزب بجدار صلب من التعقيدات القانونية والشعبية؛ حيث يتطلب التخلي عن العملة الموحدة تعديل القانون الأساسي، وهو أمر يفرض الحصول على أغلبية الثلثين في البرلمان، وهو ما ترفضه بشكل قاطع كافة الأحزاب التقليدية في البلاد التي تفرض “جدار حماية” سياسي ضد الحزب.

ومن ناحية أخرى، تُجمع المعاهد الاقتصادية الألمانية الكبرى على أن أي خطوة للخروج من اليورو ستكون بمثابة “انتحار اقتصادي”، قد يكلف البلاد انكماشاً فورياً في ناتجها المحلي وفقدان ملايين الوظائف نتيجة لتراجع الصادرات. كما تُظهر استطلاعات الرأي الثابتة أن الأغلبية الساحقة من الألمان متمسكون بالعملة الأوروبية كضمانة للاستقرار.وختاماً، تبقى دعوة حزب البديل للعودة إلى المارك الألماني بمثابة قنبلة صوتية في المشهد السياسي؛ فهي غير قابلة للتطبيق عملياً في المدى المنظور، لكنها تُعد مؤشراً خطيراً على عمق الانقسام حول الهوية الأوروبية لألمانيا، وتحذيراً للنخب الحاكمة في برلين بأن إهمال الأزمات الاقتصادية الداخلية قد يمنح هذه الأطروحات الشعبوية مساحة أكبر للتمدد.

اترك رد