بين التقاعد الاستثنائي والاستمرار السياسي.. هل يطرح معاش عبد الإله بن كيران سؤالا أخلاقيا؟
عبد الصادق النوراني .
يعود الجدل حول معاشات المسؤولين الحكوميين بالمغرب إلى الواجهة كلما برز اسم رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بن كيران في المشهد السياسي أو الإعلامي، خصوصا في ظل استمرار حضوره القوي داخل حزب حزب العدالة والتنمية وقيادته المتواصلة لأنشطته وخطاباته السياسية، رغم استفادته من معاش استثنائي تؤديه خزينة الدولة.
ويثير هذا الوضع، بالنسبة إلى عدد من المتابعين، نقاشا أخلاقيا وسياسيا يتجاوز شخص بن كيران في حد ذاته، ليصل إلى طبيعة الامتيازات المرتبطة بالمناصب العليا، ومدى انسجامها مع مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال عمومية تُصرف بشكل دائم لشخصيات لا تزال تمارس العمل السياسي والحزبي بشكل يومي.
ويعتبر منتقدو هذا الوضع أن الإشكال لا يكمن فقط في قانونية المعاش الاستثنائي، بل في رمزيته السياسية والأخلاقية، ذلك أن رئيس الحكومة الأسبق لم يكن موظفا خاضعا لنظام تقاعد اعتيادي يقتطع من أجرته طيلة سنوات العمل، بل استفاد من معاش يُؤدى من المال العام دون مساهمة مسبقة في صندوق تقاعد خاص برؤساء الحكومات. ويرى هؤلاء أن استمرار الاستفادة من هذا المعاش، بالتوازي مع ممارسة العمل السياسي والحزبي المكثف، يطرح تساؤلات مشروعة حول مفهوم التقاعد نفسه، الذي يفترض في الأصل التوقف عن النشاط المهني أو تقلصه بشكل واضح.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن المنطق الأخلاقي يقتضي، ما دام بن كيران لا يزال يؤدي أدوارا سياسية وحزبية يومية لفائدة حزبه، أن يتحمل هذا الأخير تعويضه المالي إن كان يعتبره إطارا سياسيا متفرغا لخدمة الحزب، بدل استمرار تحميل خزينة الدولة كلفة معاش دائم. كما يعتبرون أن المرحلة الحالية، التي تشهد صعوبات اجتماعية واقتصادية وضغطا متزايدا على المالية العمومية، تجعل من الضروري إعادة فتح النقاش حول تقاعد الوزراء ورؤساء الحكومات وكبار المسؤولين، بما ينسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية وترشيد النفقات العمومية.
في المقابل، يرى مدافعون عن بن كيران أن المعاش الذي يتقاضاه يدخل ضمن الامتيازات التي يمنحها القانون أو الأعراف السياسية لرؤساء الحكومات السابقين، وأن الأمر لا يتعلق بحالة استثنائية تخصه وحده، بل بمنظومة كاملة تشمل مسؤولين سابقين في الدولة. كما يعتبرون أن استمرار الرجل في العمل السياسي حق مشروع يكفله الدستور، ولا يمكن ربطه بالضرورة بوقف المعاش، ما دام هذا الأخير مرتبطا بصفة سابقة كرئيس للحكومة وليس بوضعية مهنية حالية.
غير أن الجدل الدائر يكشف مرة أخرى حساسية ملف معاشات المسؤولين الكبار بالمغرب، خصوصا حين يتعلق الأمر بشخصيات تقدم نفسها باعتبارها قريبة من هموم المواطنين ومدافعة عن قيم النزاهة والعدالة الاجتماعية. فالرأي العام لم يعد ينظر فقط إلى قانونية الامتيازات، بل بات يقيس أيضا مدى انسجام الخطاب السياسي مع الممارسة الفعلية، ومدى استعداد النخب لتحمل تبعات التقشف الذي يُطلب من المواطنين تحمله.
وفي ظل هذا النقاش المتجدد، تبدو الحاجة ملحة إلى إطار قانوني واضح وشفاف ينظم معاشات كبار المسؤولين، بعيدا عن الامتيازات الاستثنائية أو التأويلات السياسية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، خاصة في مجتمع تتزايد فيه المطالب بالعدالة الاجتماعية وربط الامتياز بالاستحقاق الفعلي.