التناقض الإيديولوجي في خطاب “الكوفيين” تجاه الدولة .
عبد الصادق النوراني .
في كل مرة يطفو فيها على السطح ملف احتجاز مواطن مغربي بالخارج، أو أزمة تتطلب تدخلاً دبلوماسياً عاجلاً، يعود الجدل ذاته إلى الواجهة، لكن هذه المرة محمّلاً بقدر كبير من التناقض والازدواجية في الخطاب. فهناك فئة من النشطاء والتيارات التي تُعرف شعبياً بـ”الكوفيين”، لا تتردد في نزع الشرعية الأخلاقية عن الدولة المغربية واتهامها بشتى النعوت بسبب خياراتها الدبلوماسية، خصوصاً ما يتعلق بعلاقاتها مع إسرائيل، لكنها في اللحظة نفسها، وحين يتعلق الأمر بمصير مواطن مغربي أو أزمة إنسانية أو سياسية، تسارع إلى مطالبة الدولة ذاتها بالتدخل الحاسم والفوري، مستعملةً نفوذها وقنواتها الدبلوماسية وعلاقاتها الدولية.
إنها مفارقة تكشف أزمة عميقة في فهم طبيعة الدولة وآليات العلاقات الدولية. فالدولة بالنسبة إلى هؤلاء تُدان في جميع الأحوال: إذا لم تتدخل، اتُّهمت بالتخلي عن مواطنيها والصمت واللامبالاة، وإذا تدخلت ونجحت عبر قنواتها الدبلوماسية، اعتُبر ذلك “دليلاً” على العمالة والتنسيق الخفي. وفي كلتا الحالتين، لا يُنظر إلى الدولة باعتبارها مؤسسة سيادية تتحرك وفق منطق المصالح والتوازنات، بل باعتبارها خصماً إيديولوجياً يجب إدانته مسبقاً مهما كانت النتائج.
هذا المنطق يكشف أن بعض الخطابات الشعبوية لم تعد تبحث عن الحقيقة أو المصلحة الوطنية، بقدر ما تبحث عن تثبيت قناعات جاهزة حتى ولو اصطدمت بالواقع والمنطق. فكيف يمكن المطالبة بقطع شامل وكامل للعلاقات مع دولة ما، ثم انتظار أن تقوم هذه القطيعة نفسها بإنتاج النفوذ والقدرة على التأثير وإنقاذ المواطنين؟ كيف يمكن إلغاء قنوات الاتصال ثم المطالبة باستعمالها عند الأزمات؟ إن العلاقات الدولية لا تُدار بالشعارات ولا بالغضب العاطفي، بل بمنطق المصالح والقوة والتفاوض والقنوات المفتوحة.
في السياسة الدولية، حتى الدول التي تعيش أقسى أشكال العداء والحروب، تُبقي دائماً على حد أدنى من قنوات التواصل، لأنها تدرك أن الدبلوماسية ليست ترفاً أخلاقياً، بل أداة لحماية المصالح الوطنية والمواطنين. أما تحويل السياسة الخارجية إلى مجرد منصة للمزايدات والشعارات الثورية، فهو تبسيط ساذج لعالم معقد تحكمه التوازنات الدقيقة لا الانفعالات الموسمية.
الأكثر إثارة للانتباه أن “الكوفيين” غالباً ما ينسبون أي نجاح دبلوماسي يخص استعادة محتجزين أو حل أزمة إلى “ضغط الشارع” أو “الحملات الافتراضية”، وكأن المؤسسات الرسمية والقنوات السيادية لا دور لها في ذلك. لكن عندما تتعقد الملفات، أو تتأخر الحلول بسبب تعقيدات قانونية وسياسية معروفة في العلاقات الدولية، يتحول الخطاب نفسه إلى جلد للدولة واتهامها بالعجز والتقصير، بل والمطالبة منها باستعمال العلاقات ذاتها التي يرفعون شعار قطعها نهائياً.
إن هذا التناقض لا يعكس فقط ارتباكاً سياسياً، بل يكشف أيضاً فهماً سطحياً لطبيعة الدولة الحديثة. فالدولة ليست جمعية خيرية ولا منصة شعاراتية، بل جهاز سيادي يتحرك وفق حسابات دقيقة تتعلق بالمصلحة الوطنية، وحماية المواطنين، وضمان الحضور والتأثير في محيط دولي شديد التعقيد. ومن حق أي مواطن أو تيار سياسي أن ينتقد الخيارات الدبلوماسية، لكن النقد يفقد قيمته حين يتحول إلى حالة إنكار للواقع وإلى خطاب انتقائي يُدين الدولة في النجاح كما في الفشل.
لقد بات واضحاً أن بعض الأصوات لا تريد من الدولة أن تنجح، بل تريد فقط أن تنتصر سرديتها الإيديولوجية، حتى ولو كان الثمن هو إضعاف صورة المؤسسات والتشكيك في كل تحرك دبلوماسي يخدم المواطنين. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين تصبح الأوطان رهينة للشعارات، وتتحول القضايا الإنسانية إلى وقود للمزايدات السياسية، يفقد النقاش العمومي توازنه، وتختلط الوطنية بالانفعال، والدبلوماسية بالهتاف