لغز الأموال التائهة بين كنوبس (cnops) والبنوك.. من يعبث بتعويضات المرضى ؟

0

عبد الصادق النوراني .

بات الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، المعروف اختصارا بـ ( CNOPS )، يثير موجة متصاعدة من الغضب والاستياء وسط آلاف المنخرطين والمتقاعدين، بسبب ما يعتبره كثيرون تلاعبا غير مفهوم في آجال صرف التعويضات عن الملفات الطبية والأدوية، رغم الاقتطاعات الشهرية المنتظمة من الأجور والمعاشات دون تأخير أو أعذار.
فالمنخرط، الذي يؤدي مساهماته الإجبارية شهرا بعد شهر، يجد نفسه أمام مفارقة صادمة ومهينة في كثير من الأحيان؛ إذ يفاجأ عبر موقع CNOPS بعبارة (تم الأداء ) مرفوقة بتاريخ محدد، غير أن الواقع البنكي يكشف شيئا آخر تماما، حيث لا يظهر أي أثر لذلك التعويض في حسابه البنكي إلا بعد عشرين يوما أو شهر، وأحيانا أكثر من ذلك، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير تلك الأموال خلال هذه المدة الغامضة.
السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: إذا كان الصندوق يؤكد رسميا عبر منصته الرقمية أن عملية الأداء قد تمت فعلا بتاريخ معين، فلماذا لا تصل الأموال إلى الحسابات البنكية للمنخرطين إلا بعد أسابيع طويلة؟ وأين تبقى هذه الأموال طوال تلك الفترة؟ ومن المستفيد من تجميدها أو الاحتفاظ بها خارج الحسابات البنكية لأصحابها الشرعيين؟
إن الأمر لا يتعلق هنا بتأخر تقني بسيط أو خلل عابر، بل بمسألة تمس الثقة والمصداقية والشفافية في تدبير مؤسسة يفترض أنها وجدت لحماية المنخرط اجتماعيا وصحيا، لا لإغراقه في دوامة الانتظار والقلق والإذلال الإداري.
الأخطر من ذلك، أن هذه الوضعية تضرب في العمق الفئات الهشة من المرضى والمتقاعدين وذوي الدخل المحدود، الذين يكونون في أمس الحاجة إلى تلك التعويضات من أجل اقتناء الأدوية أو أداء تكاليف العلاج والفحوصات الطبية. فكيف يعقل أن يتم الإعلان عن أداء التعويض رقميا، بينما يظل المنخرط عاجزا عن التصرف في ماله لأيام وأسابيع؟ أليس في ذلك تضليل واضح للرأي العام وللمنخرطين على حد سواء؟
لقد أصبحت عبارة (تم الأداء) لدى عدد كبير من المنخرطين مجرد جملة افتراضية لا علاقة لها بالواقع المالي الحقيقي، وهو ما يفتح الباب أمام مطالب مشروعة بضرورة فتح تحقيق إداري ومالي شفاف لتوضيح المسار الحقيقي لهذه التعويضات، والكشف عن أسباب هذا التأخير المزمن الذي تحول إلى قاعدة بدل أن يكون استثناء.
وفي الوقت الذي تتجه فيه المؤسسات الحديثة إلى الرقمنة الحقيقية وربط التصريحات بالعمليات البنكية الفورية، ما يزال منخرطو CNOPS يعيشون على وقع ممارسات بيروقراطية متجاوزة، تجعلهم يتساءلون بمرارة: هل المطلوب من المواطن فقط أن يؤدي الاقتطاعات في وقتها، بينما يصبح من حق المؤسسة أن تؤخر أداء مستحقاته متى شاءت دون حسيب أو رقيب؟
إن احترام كرامة المنخرط يبدأ من احترام عقله وحقه في المعلومة الدقيقة، لا عبر نشر تواريخ أداء وهمية لا تنعكس على أرض الواقع البنكي إلا بعد مدد طويلة ومريبة. فالأموال التي تخص المرضى والمتقاعدين ليست ودائع مجهولة المصير، بل حقوق اجتماعية وإنسانية يجب أن تصل إلى أصحابها في الوقت الحقيقي، لا أن تتحول إلى لغز إداري مفتوح على كل التأويلات .

اترك رد