من مسعودة إلى الآيباد ، كيف ضاعت المدرسة بين جيلين ؟

من "مسعودة" إلى الآيباد.. كيف ضاعت المدرسة بين جيلين؟

Screenshot
0

عبد الصادق النوراني

في خضم هذا الدخول المدرسي الذي يبدو بلا طعم
ولا لون ، وسط نقاش سياسي محتدم بين قطبي الأغلبية الحكومية حول القدرة الشرائية للمغاربة ، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية ، يبدو أن المدرسة المغربية نفسها أصبحت تنتظر دورها في طابور طويل من الملفات المؤجلة .
وبين غلاء الأسعار الذي يثقل كاهل الأسر ، وارتفاع كلفة الدخول المدرسي ، وتخبط الإصلاحات التعليمية بين الشعارات والبرامج ، لا يسع المرء إلا أن يتساءل بحسرة عن مصير جيل كامل يجد نفسه عالقا بين مطرقة القدرة الشرائية المنهكة وسندان مدرسة عمومية تفقد سنة بعد أخرى الكثير من بريقها القديم .
والأخطر من ذلك أن نخشى أن يأتي يوم تصبح فيه المدرسة العمومية بصيغتها التقليدية مجرد حفرية تعليمية تحفظها المتاحف مثلما نحفظ اليوم أدوات الكتابة القديمة .
ومع ذلك ، يكفي أن نرى أطفال اليوم وهم يعودون إلى مقاعد الدراسة حتى يداهمنا الحنين . حنين إلى زمن كانت فيه العودة إلى القسم موعدا ينتظره الطفل بشيء من الخوف والحماس للتعرف على المعلم الجديد الذي سيعلمه الحساب والإنشاء والمحفوظات والدين والمحادثه والتاريخ والنحو والصرف والإعراب ، وربما سيعلمه أيضا كيف ينجو من (مسعودة) إذا أخطأ في الإجابة .
كانت المدرسة آنذاك لا تحتاج إلى هذا الكم الهائل من الكتب والمقررات والدفاتر ، ولا إلى ألواح إلكترونية ولا هواتف ذكية ولا مجموعات واتساب . كان يكفي كناش من خمسين ورقة ، وتلاوة (اقرأ) ، وريشة ومنشفة، ولوحة ، وجزء(عم) من القرآن الكريم ، ومحبرة صغيرة في مقدمة الطاولة الخشبية .
أما المداد ، فكان المعلم يتكفل بتوزيعه علينا ، وكنا ننتظر تلك اللحظة بشغف قبل أن نغمس الريشة في المحبرة ونبدأ مغامرتنا اليومية مع الكتابة التي كانت تنتهي في كثير من الأحيان ببقع زرقاء على أصابعنا وملابسنا .
وكانت كتب القراءة عالما آخر .من (عنزة السيد سوغان) إلى (باليماكو) وهو يتسلق النخلة ، ومن (الثرثار ومحب الاختصار) إلى (البدوية والمصباح) ، و(زوزو يصطاد السمك) إلى (الشمعة والفانوس) ، و («سلمى في المخيم) ، و(كيمو في بيت الدببة) ، و(أحمد والعفريت) و(سعاد في المكتبة) و (الله يرانا) إلى (جحا وولده والحمار) و (القناص والغراب الأعور)… نصوص لم تكن مجرد دروس عابرة ، بل وشوما استقرت في الذاكرة وبقيت تقاوم النسيان عقودا طويلة .
وكان للمعلم بطبيعة الحال جهاز تربوي خاص به : العصا . كانت تستقر فوق مكتبه في انتظار دورها ، وكان معلمنا من شدة تعلقه بها قد أطلق عليها اسم (مسعودة) .
وكلما تعثر أحدنا في رسم حرف على السبورة ، أو خانه الحفظ ونسي آية قرآنية ، كان المعلم يمسك (مسعودة) ويقول ساخرا : (مسعودة تحيد البرودة) .
وفعلا كانت تحيد البرودة عن أرجلنا الصغيرة المتجمدة في فصل الشتاء ، ولكنها كانت تفعل ذلك بطريقة تجعل الساقين حمراوين وساخنتين إلى درجة أن بعضنا كان يعجز عن ارتداء حذائه بعد انتهاء الحصة .
وكان التلميذ يغادر المدرسة متكئا على كتفي زميلين ، كأنه جندي عائد من جبهة القتال لا طفل خرج للتو من درس الحساب .
والطريف أن العلاقة بين الأسرة والمدرسة كانت مختلفة تماما .
اليوم ، يكفي أن يعود الطفل إلى البيت منكسر الخاطر حتى تتحول الأسرة إلى لجنة تحقيق ، ويجد المعلم والمدير نفسيهما في مواجهة غضب الوالدين .
أما في زمننا ، فكان الطفل يعود إلى البيت وهو بالكاد يستطيع المشي ، ثم ما إن يقترب من الباب حتى يستقيم في مشيته ويتظاهر بأن شيئا لم يحدث .
كان يعرف جيدا أن شكواه من (الفلقة) قد تمنحه جولة ثانية في البيت .
ففي ذلك الزمن ، كان الاعتقاد السائد بسيطا ، هو أن المعلم دائما على صواب ، والتلميذ هو المتهم حتى تثبت براءته .
قد نختلف اليوم مع كثير من تلك الأساليب ، بل لا يمكن بأي حال تبرير العنف المدرسي ، لكننا لا نستطيع أيضا إنكار أن تلك المدرسة بإمكاناتها المحدودة ، كانت تنتج أجيالا استطاعت أن تشق طريقها وتملأ مواقع مهمة داخل المغرب وخارجه .
كان لنا نشيد صباحي ، وراية ، وساحة ، وأقسام باردة ، ووجوه صغيرة تردد النشيد الوطني في الساحة قبل أن تدخل إلى الدرس . وفي نهاية اليوم ، كنا نردد نشيد (مدرستي الحلوة) أو نشيد (معلمي) ، ثم نخرج إلى الساحة نركض ونتراكل مثل بغال صغيرة أطلق سراحها بعد يوم عمل شاق ، قبل أن نعود إلى بيوتنا لنشاهد الرسوم المتحركة : (سكوبيدو) و(غريندايزر) .
حتى جدران الأقسام كانت تحمل شيئا من الدفء .صور الجزار أمام دكانه ، والخرفان المعلقة ، والصياد الذي يصوب بندقيته نحو سرب البط ، وكلبه المستعد للانطلاق خلف الفريسة ، والنجار وهو يقطع الخشب ….. كانت تلك الصور بالنسبة إلينا نوافذ صغيرة على عالم لم نكن نعرفه إلا من خلال الكتب .
وفي مادة (الأشياء) ، كانت الكؤوس الصغيرة التي نضع فيها حبات الحمص والعدس والفاصولياء ونتركها تنبت على شرفة القسم ، مختبرا علميا متواضعاً لكنه كان يدهشنا .
وكان للمعلم أيضا حياته الخاصة التي لم نكن نفهم منها شيئا .
كنا نحمل رسائل منه إلى المعلمة التي تدرس في الطابق العلوي ونعود برسائلها إليه ، ونحن نؤدي المهمة بجدية بالغة .
ولم نكتشف إلا بعد سنوات أننا كنا من حيث لا ندري سعاة بريد مجانيين في قصة حب مدرسية !
حتى المستشفى كان يأتي إلينا .
في فصل الشتاء ، كان الممرضون يدخلون إلى المدرسة ويوزعون علينا حقنا كنا نتلقاها ونحن نرتجف ثم نمضي أياما ونحن نحمل آثارها على أذرعنا .
وعندما تقترب السنة الدراسية من نهايتها ، كان يأتي ممرضون آخرون ليضعوا لنا دواءً في أعيننا فنخرج إلى الساحة ونحن نتحسس وجوهنا ، ونقول بسخرية للفوج الذي ينتظر دوره :
(دخلو تديرو بزق الحمام!) .
كانت تلك المدرسة بسيطة إلى درجة تدعو إلى الابتسام ، وقاسية أحيانا إلى درجة تدعو إلى البكاء ، لكنها كانت واضحة في أهدافها ، قليلة الوسائل ، كثيرة الحكايات .
وكان الزمن نفسه مختلفا .
كان الدخول إلى القسم في السابعة صباحا والخروج في العاشرة ، وكثير منا يصل إلى المدرسة بمعدة فارغة . وكان المحظوظ من يملك (ريالين) يشتري بهما (شفنجة) ساخنة في الطريق .
وأنا واحد من أولئك الذين كانوا يستيقظون باكرا . كنت أستيقظ على صوت المرحوم المكي الناصري في المذياع وهو يفسير القرآن ، كنت أعرف أن الفجر اقترب . كان خيالي يسبح معه في تفسيره ، أتخيل إرم ذات العماد وقوم نوح وصالح وكيف عقروا الناقة وقوم عاد وثمود والجنة والنار والأنهار والفواكه والأفاعي ، ولا أعود إلى الأرض إلا عندما تبدأ نشرة الأخبار .
عندها فقط أعرف أن موعد المدرسة قد حان .أرتدي (الجاكيط) الذي اشتراه لي خالي ، والحذاء الذي اشترته لي أمي ، والسروال الذي وصلني من خالتي ، وأتوجه إلى المدرسة .
وكان التلاميذ يصلون إلى الأقسام جائعين ، مبللين أحيانا ، يسعل أحدهم فيتبعه آخر ، لكنهم يجلسون ويتعلمون .
لم تكن لديهم لوحات إلكترونية ، ولا هواتف ذكية ، ولا مئات الصفحات من الكتب والمقررات .
كان لديهم القليل من الأدوات ، والكثير من الرغبة في الخروج من الفقر والجهل .
ومع ذلك ، استطاع مئات الآلاف من أبناء تلك المدرسة أن يصبحوا أطباء ومهندسين وأساتذة ومحامين وموظفين وأطرا في مختلف القطاعات ، وأن ينتشروا في مختلف أنحاء العالم .
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة .
كلما كثرت الكتب، كثرت الحيرة. وكلما تطورت الوسائل ، تراجع أحيانا جوهر العملية التعليمية .
التلميذ اليوم يحمل فوق ظهره مقررات كثيرة ، لكنه لا يعرف دائما ماذا ينبغي أن يحفظ وماذا ينبغي أن يفهم ، والأسرة تدفع أكثر ، والمدرس يواجه ضغوطا أكبر ، والمدرسة العمومية تكافح وسط إصلاحات متتالية لم تمنحها بعد الوصفة السحرية التي تعيد إليها مكانتها .
وفي المقابل ، انتفخت سوق الكتب المدرسية ، وازدهرت تجارة التعليم الخصوصي ، وأصبح الدخول المدرسي بالنسبة إلى كثير من الأسر موسما آخر لاستنزاف الجيوب ، فمصائب قوم عند قوم فوائد .
لسنا مطالبين الآن بالعودة إلى (مسعودة) ، ولا إلى الأقسام الباردة ، ولا إلى الريشة والمحبرة ، ولا إلى زمن كان فيه العنف جزءا من قاموس التربية .
لكننا مطالبون بأن نستعيد شيئا أهم ، ألا وهو روح المدرسة .
أن نجعل التعليم مشروعا وطنيا لا موسما انتخابيا ، وأن يصبح التلميذ محور الإصلاح لا رقما في الإحصائيات ، وأن يكون الكتاب وسيلة للفهم لا عبئا فوق الظهر ، وأن يستعيد الأستاذ مكانته ، والمدرسة العمومية هيبتها ، والأسرة ثقتها في المؤسسة التعليمية .
فـ(مدرستي الحلوة) لم تكن جميلة لأنها كانت فقيرة في الوسائلز، وإنما لأنها كانت، في نظر جيل كامل ، بوابة إلى المستقبل .
وإذا عجزنا اليومو، بكل ما نملك من تكنولوجيا وميزانيات وبرامج وخبراء ، عن منح أطفالنا الإحساس نفسه ، فالمشكلة ليست في غياب (مسعودة) ولا في غياب (الآيباد) ؛ المشكلة أننا ربما نسينا لماذا بنينا المدرسة أصلا .

اترك رد