الدبلوماسية المغربية عنوان لقوة الدولة .

0

عبد الصادق النوراني .

لم يعد المغرب ذلك البلد الذي يُنظر إليه من زاوية الدولة التابعة أو الطرف الذي يكتفي بردود الفعل الدبلوماسية الخجولة، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة رقماً صعباً في المعادلات الإقليمية والدولية، وقوة وازنة استطاعت أن تفرض احترامها بمنطق المصالح الاستراتيجية والندية السياسية، لا بمنطق الاستعطاف أو التبعية.
لقد كشفت التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، ومعها سلسلة من الأزمات الدبلوماسية التي عرفها حوض المتوسط، عن حقيقة باتت واضحة للمتابعين: المغرب تغير بشكل عميق، سواء في طريقة تدبيره لعلاقاته الخارجية أو في أسلوب دفاعه عن مصالحه العليا ووحدته الترابية. فالدبلوماسية المغربية لم تعد تتحرك بردود أفعال ظرفية، بل أصبحت تعتمد رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قوامها تنويع الشراكات الدولية، وبناء التحالفات وفق قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وفي مقابل ذلك، سقطت الكثير من الشعارات التي ظلت بعض القوى الأوروبية ترفعها لعقود تحت عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان واستقلال القضاء. إذ أظهرت الوقائع أن هذه المبادئ كثيراً ما تُستعمل بانتقائية تخدم الحسابات السياسية والاقتصادية، بينما يتم تجاوزها أو الالتفاف عليها حين تتعارض مع مصالح معينة أو مع توازنات ظرفية.
لقد أصبح الرأي العام الدولي أكثر وعياً بحجم التناقض الذي يطبع مواقف بعض الدول الغربية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا الأمن والسيادة ووحدة الدول. كما أدركت قوى دولية كبرى أن المغرب لم يعد مجرد شريك تقليدي في شمال إفريقيا، بل تحول إلى فاعل إقليمي مؤثر، يمتلك من عناصر الاستقرار والقوة ما يجعله حليفاً موثوقاً في ملفات حساسة تتعلق بمحاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية والأمن الطاقي والتعاون الاقتصادي.
ويبدو واضحاً أن نجاح المغرب في هذا المسار لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات سياسية ومؤسساتية وأمنية وعسكرية واقتصادية. فالمملكة استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تطور نموذجاً دبلوماسياً قائماً على الحزم والمرونة في آن واحد؛ حزم في الدفاع عن الثوابت الوطنية، ومرونة في بناء الشراكات والانفتاح على مختلف القوى الدولية دون ارتهان لمحور واحد.
كما أن التطور الكبير الذي شهدته القوات المسلحة الملكية، إلى جانب الكفاءة العالية التي أبانت عنها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، منحا للمغرب مصداقية دولية متزايدة، وجعلا منه شريكاً أساسياً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي. وهو ما يفسر تنامي الثقة الدولية في المؤسسات المغربية، والإشادة المتكررة بقدراتها في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
اقتصادياً كذلك، لم يعد المغرب مجرد سوق استهلاكية هامشية، بل بات منصة صناعية واستثمارية صاعدة في مجالات متعددة، من صناعة السيارات والطاقات المتجددة إلى البنيات التحتية والخدمات اللوجستية، ما عزز مكانته كقطب اقتصادي إفريقي ومتوسطي واعد.
إن التحولات التي يعرفها المغرب اليوم تؤكد أن الدولة التي تمتلك رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، ودبلوماسية يقظة، قادرة على فرض احترامها حتى في بيئة دولية مليئة بالتجاذبات والمصالح المتضاربة. ولذلك، فإن الحديث عن “مغرب جديد” لم يعد مجرد خطاب للاستهلاك الداخلي، بل حقيقة تفرض نفسها على أرض الواقع.
نعم، مغرب اليوم ليس كمغرب الأمس.
مغرب اختار أن يبني قوته بهدوء، وأن يفرض حضوره بثقة، وأن يدافع عن مصالحه الوطنية دون تردد أو عقد نقص. وهو ما يجعل المملكة اليوم قوة إقليمية صاعدة، يقرّ بها الأصدقاء قبل الخصوم، ويحسب لها الجميع ألف حساب.

اترك رد