من بوتفليقة إلى تبون، الجزائر تعود إلى مدريد بحثا عن المغرب .

من بوتفليقة إلى تبون.. الجزائر تعود إلى مدريد: هل تبحث عن استعادة الموقف الإسباني من المغرب؟

0

عبد الصادق النوراني .

هناك صدَف في السياسة لا تحتاج إلى كثير من الشرح ، خصوصا عندما تتكرر بنفس التفاصيل تقريبا ، وفي نفس المدينة ، وفي نفس الشهر ، وبعد أكثر من عقدين من الزمن .
في أكتوبر 2002 ، كانت العلاقات المغربية الإسبانية تعيش واحدة من أخطر أزماتها بسبب جزيرة ليلى ، بعدما كادت المواجهة بين الرباط ومدريد أن تنزلق إلى ما هو أخطر ، قبل أن تنجح الوساطة الأمريكية في نزع فتيل الأزمة وإعادة الوضع إلى ما كان عليه . وفي خضم تلك الأزمة حل الرئيس الجزائري آنذاك عبد العزيز بوتفليقة بمدريد ، حيث وقع مع خوسيه ماريا أثنار معاهدة الصداقة والتعاون ، في تقارب أثار وقتها كثيرا من التساؤلات حول خلفياته وانعكاساته على المغرب .
واليوم ، وبعد أربعة وعشرين عاما تقريبا ، تعود عقارب الساعة إلى الوراء ، ويعلن عن زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى إسبانيا في أكتوبر المقبل في إطار إعادة إطلاق العلاقات الثنائية بين مدريد والجزائر . زيارة تأتي بعد سنوات من القطيعة والتوتر ، وبعد تعليق الجزائر معاهدة الصداقة لسنة 2002 إثر الموقف الإسباني الجديد من قضية الصحراء المغربية .
فهل هي مجرد صدفة أن تكون مدريد مرة أخرىوهي الوجهة المفضلة للنظام الجزائري كلما وجد نفسه أمام مأزق سياسي أو دبلوماسي ؟
الجزائر تقول إنها تريد تطوير العلاقات مع إسبانيا ، ومدريد تتحدث عن مرحلة جديدة من التعاون في الطاقة والهجرة والأمن . وهذا حق مشروع بين دولتين ذاتي سيادة . لكن خلف العبارات الدبلوماسية الناعمة ، يظل السؤال السياسي قائما : هل تريد الجزائر فعلا بناء علاقة ندية مع إسبانيا ، أم أنها تريد استعمال ورقة الغاز والنفوذ الاقتصادي لإعادة عقارب الساعة في موقف مدريد من قضية الصحراء المغربية ؟
فالذي يعرف تاريخ هذا الصراع جيدا يدرك أن النظام الجزائري لم يكن يوم يتعامل مع مدريد بمنطق الصداقة المجردة ، بل بمنطق توظيف كل ورقة ممكنة في معركته المفتوحة ضد المغرب .
والأكثر إثارة للسخرية أن الجزائر التي ترفع منذ عقود شعارات التحرر وتصف نفسها بحاملة لواء تصفية الاستعمار ، تجد نفسها في كل مرة تبحث فيها عن حليف في مواجهة المغرب ، تطرق أبواب قوة استعمارية سابقة ، بل وتدخل معها في صفقات سياسية واقتصادية لا تخلو من المفارقات .
أما الحديث عن سبتة ومليلية وما يمكن أن يترتب عن الموقف الجزائري من تناقضات في الخطاب ، فهو وحده كافٍ لكشف حجم العبث . فمن الصعب على من يطالب الآخرين باحترام الشرعية الدولية أن يتجاهل في الوقت نفسه ملف مدينتين تقعان على التراب المغربي وتظل إسبانيا صاحبة السيطرة الفعلية عليهما .
لكن المشكلة أن النظام الجزائري يبدو، في كل مرة وكأنه يخوض معركة أكبر من قدراته ، ويبحث عن انتصار على المغرب في عواصم الآخرين بدل أن يبحث عنه في بناء اقتصاد قوي ، ومجتمع متماسك ، وعلاقات مغاربية طبيعية .
أما المغرب ، فقد تعلّم منذ زمن أن السياسة لا تدار بالصراخ ، ولا بالتهديد ، ولا بتوزيع الأدوار بين العواصم ، وإنما بالنَّفَس الطويل وبناء التحالفات ، وتثبيت المواقف ، وترك الخصوم يستهلكون أوراقهم بأنفسهم .
ولهذا ، فإن الذين يراهنون في الجزائر على أن كل تقارب مع مدريد سيكون بالضرورة على حساب الرباط ، قد يكتشفون مرة أخرى أن السياسة ليست مباراة انتقام ، وأن استعمال الغاز كسلاح دبلوماسي لا يصنع بالضرورة انتصارا سياسيا .
فكم من نظام ظن أن كثرة المناورات قوة ، فاكتشف متأخرا أنها ليست سوى طريقة أسرع لكشف هشاشته .

Screenshot
اترك رد