الواعض، السكير والحمار وإشكالية تصديق الخطاب الانتخابي .

0

عبد الصادق النوراني .

في المغرب، لم تعد النكتة مجرد وسيلة للضحك، بل أصبحت شكلاً شعبياً من أشكال التحليل السياسي السريع، وأحياناً أكثر دقة من نشرات الأخبار وتقارير مراكز الدراسات واستطلاعات الرأي .
لنأخذ مثلاً تلك الحكاية البسيطة عن الواعظ ومدمن الخمر.
يحكى أن واعظاً قرر أن يقنع سكيراً بمضار الكحول، فقال له بثقة العالم بالحقيقة المطلقة: لو وضعنا أمام حمار دلواً من الماء وآخر من الخمر، ماذا سيشرب؟
أجاب الرجل: الماء طبعاً .
ابتسم الواعظ منتشياً بانتصاره الأخلاقي السريع، ثم سأله: ولماذا ؟
فجاءه الرد الذي يلخص جزءاً كبيراً من واقعنا السياسي: لأنه حمار .
في الظاهر تبدو مجرد نكتة، لكنها في العمق تلخيص مرعب للعلاقة الحالية بين المواطن المغربي والخطاب السياسي والإعلامي والانتخابي.
فمع اقتراب كل انتخابات، تتحول الأحزاب فجأة إلى جمعيات خيرية موسمية. يخرج السياسيون من سباتهم الطويل، ينفضون الغبار عن وعودهم القديمة، ويكتشفون فجأة أن هناك شعباً يعاني البطالة وغلاء الأسعار وانهيار التعليم والصحة.
وفجأة أيضاً، يصبح الجميع فقراء أكثر من الفقراء أنفسهم.
ترى السياسي الذي قضى سنوات داخل السيارة الفارهة يتحدث بحزن عن معاناة المواطن البسيط ، والحزب الذي شارك في كل الحكومات السابقة يقدم نفسه كأنه حزب معارض خرج لتوه من السجن السياسي، أما الوجوه نفسها التي ساهمت في إنتاج الأزمة فتعود إلينا بملابس جديدة وشعارات جديدة وكأن الشعب مصاب بفقدان الذاكرة الجماعي.
المشكلة أن جزءاً من الطبقة السياسية ما يزال يتعامل مع المغاربة بنفس عقلية ذلك الواعظ: خطاب ساذج، أمثلة بسيطة، شعارات كبيرة، واعتقاد راسخ بأن المواطن سيبتلع كل شيء دون تفكير.
لكن ما لم يفهمه كثيرون هو أن المغاربة، رغم كل شيء، أصبحوا أكثر ذكاءً سياسياً مما تتصور الأحزاب نفسها. المواطن قد لا يشارك في النقاشات التلفزيونية، لكنه يفهم جيداً متى يتحول السياسي إلى ممثل مسرحي، ومتى تصبح الوطنية مجرد ديكور انتخابي، ومتى تتحول البرامج الحزبية إلى منشورات إشهارية موسمية.
أما الإعلام، فله نصيبه الكامل من هذه الكوميديا الثقيلة.
جزء من الإعلام العربي والمغربي لم يعد يشتغل بمنطق نقل الحقيقة، بل بمنطق تسويق الخطاب . قنوات ومنابر كاملة تتعامل مع السياسي كما تتعامل شركات الإشهار مع مسحوق الغسيل: إعادة التغليف، تحسين الصورة، إخفاء العيوب، وإقناع المستهلك بأن المنتج الجديد أفضل من القديم، رغم أنه نفس المنتج تقريباً.
ولهذا لم يعد المواطن يثق بسهولة لا في السياسي ولا في الإعلامي ولا حتى في المحلل الذي يصرخ كل مساء داخل الاستوديوهات وكأنه اكتشف أسرار الكون.
لقد دخلنا مرحلة خطيرة: مرحلة لم يعد فيها المواطن غاضباً فقط ، بل ساخراً أيضا .
والشعوب حين تسخر، تكون قد تجاوزت مرحلة التصديق .
النكتة اليوم أصبحت سلاحاً شعبياً ناعماً. والمقهى صار أحياناً أكثر صدقاً من المنصة الحزبية. وتعليق ساخر على فيسبوك قد يختصر شعور الناس أكثر من عشرات الخطب الرسمية.
ولهذا يبدو جواب السكير عبقرياً إلى هذا الحد .
فهو لم يكن يدافع عن الخمر، بل كان يرفض أن يُعامل كحمار سياسي يُطلب منه أن يشرب ما يُقدَّم له دون سؤال أو شك أو سخرية.
لقد فهم المواطن المغربي أخيراً اللعبة كلها: الأحزاب تتغير ، الشعارات تتغير ، التحالفات تتغير ، لكن طريقة مخاطبة الناس ما تزال نفسها: عليكم أن تصدقوا فقط ، ثم صوتوا ، ثم اصبروا خمس سنوات أخرى.
غير أن المشكلة الكبرى، والتي لا يبدو أن كثيراً من محترفي السياسة استوعبوها بعد ، هي أن المواطن الذي يضحك منكم اليوم ، قد لا يصدقكم غداً حتى لو قلتم الحقيقة .

اترك رد