منارات الوفاء في حواضر مراكش.. ليلة بكى فيها العطاء إجلالا لـ “أيقونة” ثانوية ابن خلدون بأكفاي
بقلم الأستاذ: محمد اوسامة
لم يكن التاسع من يوليو 2026 مجرد رقم يطويه تقويم الأيام في جماعة أكفاي إقليم مراكش، بل كان فصلا استثنائيا من فصول العرفان، استنفرت له الأسرة التعليمية والساكنة المحلية كل مشاعرها. في هذا اليوم، صاغت ثانوية “ابن خلدون” التأهيلية ملحمة إنسانية مبهرة، امتزجت فيها زغاريد الفخر بدموع الفراق، وهي تودع أحد أعمدتها الراسخة وباني عقول أجيالها، الأستاذ القدير محمد الخضيري، الذي أسدل الستار على مسيرة مهنية باذخة، صاغ كل يوم منها بمداد التضحية ونكران الذات.
هذا الحفل التاريخي لم يكن لقاء بروتوكوليا لتأدية واجب إداري، بل تحول إلى مظاهرة تربوية كبرى مشعة بالوفاء. فقد تسابق في هندستها وإعدادها تلامذة المؤسسة وأطرها التعليمية والإدارية، يجمعهم عهد الزمالة الصادقة، مضحين بالوقت والجهد ليخرج هذا العرس في أبهى حلة تليق بمقام المحتفى به.
وإذا كان للحفل من فصول متميزة استرعت انتباه الحاضرين، فهو ذلك الحضور الوازن والمشرف لمؤسسة الدرك الملكي في شخص قائد سريتها. كان الحضور تجسيدا حيا للمفهوم الجديد للسلطة القائم على القرب والشراكة المجتمعية؛ حيث نزلت السلطة بـ “بدلتها الرسمية” لتشد على يد “البدلة التعليمية” في لحظة اعتراف تاريخية.
إن وقوف رجال الأمن في محفل تكريم رجل التعليم يحمل في طياته دلالة عميقة: أن حماية الوطن فكرا وعقلا تبدأ من فصول الدراسة، وأن عين الأمن الساهرة وعين المعرفة البانية تقفان معاً في خندق واحد لحماية عقول الأجيال واستقرار المجتمع.
ومع توالي فقرات الحفل، تملكت الحاضرين غصة الفراق، فانهمرت دموع التأثر من عيون زملائه وأصدقائه الذين تقاسموا معه مشاق ومباهج الرحلة التربوية. وقد جاءت الكلمات والشهادات التي ألقيت في حقه نابضة بالصدق، مستحضرة مناقب الأستاذ محمد الخضيري، الذي لم يكن يوما مجرد مدرس ملقن لمادة الفيزياء والكيمياء، بل كان حكيما للمؤسسة، وأبا روحيا، وسندا لكل من ضاقت به السبل أو التبس عليه طريق العلم.
وكانت الالتفاتة الأكثر إثارة للشجون هي تلك الرسائل البريئة والمؤثرة التي صدحت بها حناجر تلامذة الثانوية؛ إذ عبروا بكلمات تفيض حبا عن امتنانهم العميق لأستاذهم الملهم. وأكدوا في وقفتهم أن تقاعد الأستاذ الخضيري عن منصة التدريس لا يعني غيابه عن وجدانهم، وأن الأثر المعرفي والقيمي الذي تركه في نفوسهم سيظل مشعلا يضيء دروبهم نحو التميز والمستقبل.
وفي ختام هذا العرس الاستثنائي، قدمت للأستاذ محمد الخضيري دروع تكريمية وهدايا رمزية وسط عاصفة من التصفيق الذي هز أركان ثانوية ابن خلدون، ليسجل هذا اليوم كواحد من أبهى أيام المؤسسة.
اليوم، يترجل هذا الفارس النبيل عن صهوة عطائه المهني، مستقبلا استراحة المحارب بعد عقود من “الجهاد التعليمي” المضني، تاركا خلفه سيرة عطرة، وجيشا من الخريجين، ومكانا في قلوب أهل أكفاي سيظل نابضا باسمه ووفيا لذكراه.



