لا ظلم للسيف أن يقال السيف أمضى من العصا .

0

عبد الصادق النوراني .

هناك حقيقة بسيطة تؤكدها كل التجارب الإنسانية والرياضية وهي أن الناجح يظل دائما أكثر عرضة للنقد والاستهداف والمقارنة ، بينما لا يلتفت أحد إلى من يقبع بعيدا عن منصات التتويج . ولذلك لم يكن غريبا أن يتحول المنتخب المغربي خلال الأيام القليلة الماضية إلى معيار تقاس به المنتخبات العربية والإفريقية ، وإلى اسم حاضر في كثير من النقاشات الإعلامية خارج حدود المملكة سواء تعلق الأمر بالإشادة أو بالمقارنة أو حتى بمحاولات التقليل من شأن ما حققه .
ولعل المثل العربي القديم:(لا ظلم للسيف أن يقال السيف أمضى من العصا) يلخص هذه الحالة بدقة. فالتفوق ليس تهمة والنجاح ليس جريمة وإنما هو نتيجة طبيعية لسنوات من التخطيط والعمل والاستثمار في البنيات التحتية والتكوين القاعدي والحكامة الرياضية .
لقد تابع الرأي العام العربي عقب إقصاء المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم كيف تحولت بعض المنابر الإعلامية في دول عربية إلى فضاءات للشماتة أكثر منها فضاءات للتحليل الرياضي الرصين وكأن خسارة مباراة واحدة ألغت سنوات من الإنجازات وأبطلت كل ما راكمه المغرب من نجاحات . والأغرب من ذلك أن إحدى الصحف المصرية ذهبت إلى حد الادعاء بأن المغرب سيكون في مقدمة الدول المحرجة من تمديد عقد مدرب المنتخب المصري حسام حسن في طرح يثير الاستغراب أكثر مما يثير النقاش لأن المغرب رسميًا وإعلاميًا منشغل بمشاريعه الرياضية الكبرى ولم يجعل يوما من اختيارات المنتخبات الأخرى قضية تستحق الجدل .
إن الإعلام المهني يفترض أن يناقش أوضاع منتخبه الوطني وأن يبحث عن أسباب التعثر وسبل التطور لا أن يجعل نجاح الآخرين مادة دائمة للمقارنة أو مناسبة لتصفية عقد التفوق . فالمغرب لم يفرض نفسه على أحد وإنما فرض احترامه بما تحقق فوق أرضية الملعب .
أما في الجزائر فقد أصبحت بعض المنابر الإعلامية ومعها بعض الأصوات على منصات التواصل الاجتماعي تتعامل مع أي خسارة للمنتخب المغربي باعتبارها مناسبة للاحتفال في مشهد مؤسف لا يخدم الروح الرياضية ولا يعكس عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين . فالرياضة وجدت لتقريب الشعوب لا لتحويل المنافسة إلى خصومات دائمة .
وإذا كان من حق أي منتخب أن يفرح بانتصاراته ، فمن غير المنطقي أن يصبح الفرح مرهونا بهزيمة منتخب آخر . فالأمم الرياضية الحقيقية تبني أمجادها بإنجازاتها لا بإخفاقات منافسيها .
والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها أن المنتخب المغربي بلغ نصف نهائي كأس العالم بقطر سنة 2022 ، وهو إنجاز غير مسبوق عربيا وإفريقيا، كما واصل حضوره القوي في مختلف الفئات السنية فحقق ألقابا عربية وإفريقية وبرزت منتخباته الشابة على الساحة الدولية في وقت أصبحت فيه أكاديمية محمد السادس لكرة القدم ومراكز التكوين والبنيات الرياضية الحديثة نموذجًا يحظى بإشادة العديد من الخبراء والاتحادات الرياضية .
ولم تأت هذه النجاحات من فراغ ، بل كانت ثمرة رؤية استراتيجية متكاملة واستثمار طويل الأمد في الإنسان والمنشآت والكفاءات التقنية وهو ما جعل المغرب اليوم قبلة لتنظيم أكبر التظاهرات القارية والدولية وشريكا موثوقا لدى الاتحادين الإفريقي والدولي لكرة القدم .
إن الإنجازات الحقيقية لا تحتاج إلى من يدافع عنها ، لأنها تتحدث عن نفسها . فالألقاب تحفظها السجلات والإنجازات يخلدها التاريخ، أما حملات التقليل والتشكيك فلا تعيش إلا بقدر ما تعيش لحظة الانفعال .
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي استخلاصها هي أن نجاح المغرب الكروي لا ينبغي أن يكون سببا لإثارة مشاعر الغيرة أو الحسد أو الشماتة ، بل فرصة لإلهام الجميع بأن الاستثمار في الرياضة والتخطيط السليم والعمل المتواصل هي الطريق الأقصر نحو المجد .
وفي النهاية يبقى السيف سيفا مهما حاول البعض مقارنته بالعصا ، وتبقى الإنجازات هي اللغة الوحيدة التي يفهمها التاريخ ، أما الضجيج الإعلامي فلا يغير من الحقائق شيئا ، لأن المجد لا يصنع في الاستوديوهات وإنما يصنع في الملاعب بالعرق والانضباط والإيمان بالمشروع .

اترك رد