عودة “الشعبوية الغيبية” لكسب الأصوات : بنكيران يحول الأمطار إلى ورقة انتخابية .

0

عبد الصادق النوراني

مرة أخرى، ينجح عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في إثارة الجدل وإشعال منصات التواصل الاجتماعي بتصريحات لا تخلو من الإثارة والغرابة، لكن هذه المرة من بوابة “الغيبيات” وربط نزول المطر بالتصويت السياسي، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها حزب “المصباح” بعد التراجع المدوي الذي مني به في الانتخابات الأخيرة.
فخلال المهرجان الختامي للأبواب المفتوحة في نسختها العاشرة بمدينة فاس، لم يجد بنكيران ما يقنع به المغاربة سوى استدعاء الخطاب الديني والعاطفي بشكل بدا للكثيرين أقرب إلى “الشعبوية السياسية” منه إلى خطاب سياسي مسؤول. حين خاطب إحدى الحاضرات قائلاً: “إذا صوتتِ على عبد الإله بنكيران أو العدالة والتنمية، ربي غادي ينزل الرحمة ديالو إن شاء الله”، كان يدرك أو لا يدرك أنه يفتح باباً واسعاً للنقد والسخرية والتساؤل حول حدود استغلال الدين في العمل السياسي.
التصريح لم يمر مرور الكرام، بل فجّر موجة استياء واسعة لدى فئات عديدة من المتابعين، الذين اعتبروا أن ربط نزول الغيث الإلهي بالتصويت لحزب سياسي يمثل انزلاقاً خطيراً في الخطاب السياسي، ومحاولة لإيهام البسطاء بأن “الرحمة الإلهية” مرتبطة بصندوق الاقتراع وبعودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة.
ولعل أخطر ما في هذا النوع من الخطاب، أنه يعيد إنتاج الخلط بين المقدس والسياسي، ويوظف المشاعر الدينية للمغاربة في معارك انتخابية سابقة لأوانها. فالمطر في الثقافة الإسلامية وفي الوجدان الشعبي المغربي يظل رحمة ربانية مرتبطة بالدعاء والعمل الصالح وسنن الكون، وليس مكافأة انتخابية تمنح لحزب دون آخر.
إن ما قاله بنكيران لا يمكن عزله عن السياق السياسي الصعب الذي يعيشه حزبه، والذي يحاول منذ هزيمته القاسية استعادة جزء من حضوره المفقود عبر إثارة الجدل واستعمال خطاب عاطفي يستهدف استدرار التعاطف الشعبي. غير أن الفرق كبير بين الخطاب السياسي المسؤول الذي يقدم برامج وحلولاً واقعية لمشاكل المغاربة، وبين خطاب يلامس منطقة “الدجل السياسي” عبر الإيحاء بوجود علاقة بين التصويت ونزول المطر.
الأكثر دلالة أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت مباشرة بعد التصريح إلى فضاء للسخرية اللاذعة، حيث اعتبر نشطاء أن بنكيران انتقل من الوعود السياسية التقليدية إلى “التحكم في المناخ”، في مؤشر على ما وصفوه بـ”الإفلاس السياسي” الذي أصاب الحزب، بعدما فقد القدرة على إقناع المغاربة بلغة الأرقام والإنجازات.
وفي العمق، تكشف هذه الخرجة عن أزمة حقيقية يعيشها جزء من الخطاب السياسي المغربي، الذي ما يزال يلجأ إلى العاطفة الدينية والرمزية الشعبوية بدل الاحتكام إلى النقاش العقلاني والبرامج الواقعية. فالمواطن المغربي اليوم لم يعد ينتظر من السياسي أن يعده بالمطر، بل ينتظر حلولاً ملموسة لغلاء المعيشة، والبطالة، وتدهور الخدمات الاجتماعية، واتساع الفوارق الاجتماعية.
لقد كان الأجدر ببنكيران، وهو الذي راكم تجربة طويلة في تدبير الشأن العام، أن يدرك أن السياسة لا تبنى على دغدغة العواطف أو استغلال المقدس، بل على احترام وعي المواطنين وتقديم خطاب يرتقي إلى مستوى التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد. أما تحويل “الرحمة الإلهية” إلى شعار انتخابي ضمني، فهو سلوك لا يخدم صورة العمل السياسي، بقدر ما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والسياسيين .

اترك رد