عزيز غالي بين خطاب الحقوق وارتباك المواقف: هل تحولت منشوراته القديمة إلى عبء دولي ؟

0

عبد الصادق النوراني .

عاد اسم عزيز غالي ليتصدر واجهة الجدل الإعلامي والسياسي، لكن هذه المرة ليس بسبب مواقفه الحقوقية أو نشاطه المدني، بل بسبب ما كشفته مجلة Le Point الفرنسية من معطيات اعتبرت أن بعض منشوراته ومواقفه السابقة الداعمة لـ حزب الله وحماس تضع الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان في موقف محرج، خاصة وأن الرجل يشغل موقعا دوليا يفترض فيه قدرا أكبر من الانضباط والحياد الحقوقي.
القضية في ظاهرها تبدو مرتبطة فقط بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها في العمق تطرح أسئلة أكثر حساسية حول حدود التداخل بين النضال الحقوقي والاصطفاف الإيديولوجي، وحول الكيفية التي يتحول بها “النشاط الرقمي” إلى عبء سياسي وأخلاقي حين ينتقل صاحبه من دائرة الفاعل المحلي إلى فضاء المسؤوليات الدولية.
ما أثار الانتباه في تقرير المجلة الفرنسية ليس فقط الحديث عن منشورات قديمة، بل الإشارة الساخرة إلى أن غالي “نظف حساباته لكنه نسي بعض الغبار في الزوايا”، وهي عبارة تحمل في طياتها اتهاما ضمنيا بمحاولة إعادة تلميع الصورة أكثر من مراجعة المواقف نفسها. فحين يلجأ مسؤول حقوقي إلى حذف حساباته أو تنظيف أرشيفه الرقمي تحت ضغط الانتقادات، فإن الرأي العام يتساءل تلقائيا: هل يتعلق الأمر بقناعة جديدة أم فقط بتدبير حرج دبلوماسي؟
الجدل الذي أعقب اختفاء حسابات غالي من بعض المنصات، خصوصا “فيسبوك”، كشف بدوره حجم الانقسام داخل المتابعين للقضية الفلسطينية بالمغرب. فهناك من اعتبر الخطوة تراجعا عن مواقف سابقة وإذعانا لضغوط المؤسسات الدولية الغربية، بينما رأى آخرون أن المسؤولية الحقوقية الدولية تفرض على أصحابها قدرا من التحفظ والابتعاد عن أي خطاب قد يُفهم باعتباره دعما لتنظيمات مثيرة للجدل على المستوى الدولي.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في حذف الحسابات أو الإبقاء عليها، بل في طبيعة الخطاب الذي يخلط أحيانا بين الدفاع المشروع عن القضية الفلسطينية وبين تبني خطاب عاطفي أو إيديولوجي قد يُستغل لضرب مصداقية العمل الحقوقي نفسه. فالقضية الفلسطينية، بما تمثله من رمزية إنسانية وعدالة تاريخية، ليست في حاجة إلى شعارات متشنجة أو اصطفافات قد تمنح خصومها فرصة لتشويه المدافعين عنها.
كما أن الواقعة تعيد فتح النقاش حول جزء من النخب الحقوقية العربية التي تجد نفسها أحيانا أسيرة خطاب مزدوج: خطاب موجه للاستهلاك المحلي قائم على الشعبوية والمزايدة، وخطاب آخر أكثر حذرا حين يتعلق الأمر بالمؤسسات الدولية وشبكات التمويل والشراكات الحقوقية العالمية. وهذا التناقض هو ما يضع بعض الوجوه الحقوقية في مواقف حرجة كلما انتقلت تصريحاتها ومنشوراتها من الفضاء المحلي إلى المنصات الدولية.
لقد كان من الممكن التعامل مع القضية بهدوء ومسؤولية أكبر، عبر توضيح سياسي وحقوقي متوازن يميز بين التضامن مع الشعب الفلسطيني وبين تبني مواقف قد تُفهم كاصطفاف مع تنظيمات مسلحة. أما سياسة الحذف المفاجئ والاختفاء الرقمي، فقد منحت خصوم غالي مادة إضافية للتشكيك في ثبات مواقفه وصدقية خطابه.
وفي النهاية، فإن ما وقع لعزيز غالي ليس مجرد “زوبعة فايسبوكية”، بل مؤشر على التحولات العميقة التي يعيشها الفضاء الحقوقي والإعلامي في عصر أصبحت فيه التغريدة القديمة أو الصورة المؤرشفة قادرة على إسقاط سنوات من التراكم الرمزي. فالذاكرة الرقمية لا ترحم، والمسؤوليات الدولية لا تقبل كثيرا من الارتجال أو اللعب على الحبال بين النضال الحقوقي والحسابات الإيديولوجية الضيقة .

اترك رد