خالد النافعي يكتب.. انحياز لكتابة المرأة: (لبؤة حاحا) أنْمُوذجا
بقلم / خالد النافعي
“ثلاثة أمور تزيد المرأة إجلالا: الأدب والعلم والخلق الحسن” (وليام شكسبير)
ظلت المرأة المغربية طوال حياتها تواقة للاعتراف بمساواتها مع الرجل في جميع الحقوق، بما في ذلك الحق في التعبير عن مكنوناتها، والذي انتزع منها غصبا من لدن مجتمع ذكوري، أرغمها على العيش تحت وطأة التقاليد والأعراف الجاهزة، ما فرض عليها ارتداء عباءة الصمت، والخنوع أمام القمع الذي مورس عليها على حساب سلطة الرجل، مما أدى إلى تهميشها تاريخيا، و أمام هذا التهميش التاريخي، أصرت المرأة على التمرد بالكتابة، في زمن كانت فيه الكتابة حكرا على الرجل فقط، وكأن الكتابة حِرفة تحتاج إلى العضلات.
1-التمرد والبوح منفذ للخروج من عباءة الصمت
ومع هذا الإصرار النسائي على الكتابة، سيعرف حقل الأدب المغربي ظهور زمرة من النساء اللائي كتبن الرواية للتعبير عن كينونتهن، ودواتهن، كنساء تواقات للذة الحرية والمساواة. إننا هنا؛ نتحدث عن نساء كاتبات اخترن النضال بلغة نون النسوة لانتزاع حق الريادة في مناحي التعبير والأدب. نذكر من بينهن: )خناتة بنونة (التي فتحت أبواب الكتابة السردية على مصراعيها بالمغرب، فأسقطت الصمت، ودشنت طريق السرد لأجيال من النساء المبدعات أمثال: ليلى أبو زيد، وصولا إلى جيل فاتحة مرشد، ثم مليكة رتنان… وغيرهن.
وما يميز كتابة المرأة، هو تركيزها على البوح، والجهر بالمسكوت عنه عرفيا. إنها كتابة ظلت تبحث لها عن خصوصيات من أجل ترسيخ تجربة منفردة، ولعل أبرز هذه الخصوصيات، تيماتها التي جعلت من النصوص النسائية نصوصا دسمة مميزة. حيث إن هذه التيمات لا تنسلخ عن ذات المرأة و قضاياها، بل ترتبط بها ارتباطا وثيقا، ويبدو أن المرأة “الكاتبة” أرادت بهذه التجربة الخصبة أن تقول بإلحاح :
ألبستموني عباءة الصمت
فها أنا أخلع العباءة!
ولعل رواية (لبؤة حاحا) هي نموذج حي للروايات التي يمكن أن نسوقها كنص ضمن مجموعة من النصوص الروائية النسائية، التي حرصت على إبراز مكانة المرأة تاريخيا إبان الاستعمار.
2-حفر في الذاكرة الجريحة
ففي الرواية حفرت الكاتبة مليكة رتنان في ذاكرة التاريخ الجريح، وأخذت من عصارته الرحيق الذي مزجته مع الواقع لتسبر لنا أغوار الزمن الماضي العميق، الذي عاشه أهالي قبائل حاحا المقهورين، الذين عانوا من غارات جيش “البرتقيز” وتكالب الضباع الخائنة المندسة تحت حماية المستعمر، الذي حجب النور والضياء، وأتى على الأخضر واليابس، وزرع الشر والدمار. في زمن السيبة واستفحال المجاعة بالمغرب؛ إنه: زمن القحط والعطش. زمن التمزق والسطو وعدم الاستقرار. زمن استباحة الدماء وخطف النساء.
وأمام هذا الجرح الموشوم في ذاكرة التاريخ الجريح، طعمت الكاتبة الحبكة بقصة حب عذري بين زاينة الملقبة بـ(لبؤة حاحا) وبين ابن عمها يحي، كنفحة من نفحات الخيال التي أضفتها الكاتبة على الأحداث، لتوحي لنا بأنها قدمت الواقع التاريخي بـ “كاميرا الرواية”، بيد أنها مزجت الواقع بالخيال.
إننا لو بحثنا عن مكانة المرأة وتيماتها داخل رواية (لبؤة حاحا)، سنجد أن المرأة شكلت محورا جوهريا أخذ مساحة فسيحة داخل السرد. بيد أن مليكة رتنان سخرت السرد ليواكب ثلاث نساء عبر تصور يزاوج بين مكانة المرأة وقيمتها، ومن أجل وضوح أكثر، سنعمل على الوقوف عند هؤلاء النساء حتى نستشف أبعاد التيمات التي تفيض بها الرواية.
3-الوطن في قلب المرأة ونكران الذات سمتها
- منانة: زوجة الحاج الحارثي، المرأة الفقيرة التي تنسى نفسها من أجل الاعتناء بزوجها
وصغارها. يقول زوجها وهو يخاطبها بعدما وضعت له الخبز والزيتون: ((ليست لي شهية يا منانة، اهتمي بتغذية الصغار والشيخين العاجزين لك الثواب ولا تكترثي لشأني)) (مليكة رتنان، لبؤة حاحا، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012، ص 10.).
إنها كالأرض، أي نعم؛ المرأة التي تعطي وتتحمل في أسوء الظروف، وحتى حينما أضرم بعض جنود البرتقيز النار في الزريبة والسكن، كانت على استعداد للتضحية بحياتها من أجل تقديم يد العون لرجل طاعن في السن رفقة زوجته، يقول هذا الأخير وهو يقص تفاصيل الحادث للزوج الذي كان غائبا عن البيت: لقد((حاولت منانة، زوجتك، التقدم لمساعدتنا لكن سوط أحد الزبانية كان يقصم منها الظهر. فقيدت المسكينة والصبية إلى مجموعة أسرى) ص 12.
ونستجلي من هذا؛ أن منانة هي الشخصية التي من خلالها جهرت الكاتبة، بصفتين لصيقتين بالمرأة هما: العطاء والتضحية دون انتظار المقابل.
- زاينة: ابنة السيد حيان قائد قبائل حاحا وقاضي قضاتها، رغم أنها تعيش حياة الجاه والعز، إلا أنها لم تكن تتورع في تقديم المساعدات لليتامى والفقراء لمساندتهم على تجاوز محنة الجفاف، وحين تعرض سكان القبائل للهجوم والتنكيل والقتل على يد رجال القايد موسى الحران الملقب بـ”ولد الحرام“، أخرجت زاينة مخالبها وهي تقول: ((لن أختبئ اجمع كل من يستطيع القتال، اليوم أبين للعالم أن نساء حاحا يقدرنا على أعمال الرجال) ص 27.
وفي موقف أخر تصرخ بحماس:((أما أنتم يا رجال حاحا فعليكم بتعزيز حمايتنا ولنحارب بكل ما أوتينا من قوة ورباطة جأش. إما نصر أو موت) ص 28.
إن زاينة هي المرأة التي شيدت بها الكاتبة نموذجا للمرأة المغربية التي حملت في صدرها الوطن، فحاربت ندا إلى جانب الرجال بشراسة، وتصدت إلى آلة القمع رغم العذاب والقهر والمذلة، صمدت وناضلت بكبرياء من أجل بزوغ فجر الاستقلال.
ج– الدادة العزيزة: المرأة الطاعنة في السن التي حرصت على تربية زاينة والاعتناء بها بإخلاص وتفاني بعد وفاة أمها، و لم تتركها قط رغم عنف الظروف، فهي المرأة الوحيدة التي ظلت تحمل بين ضلوعها مشاعر الأمومة اتجاه زاينة، وكانت مستعدة في كل وقت لحمايتها من الخطر. فبعدما تعرضت – زاينة – للخطف على يد القايد الحران:((سارعت الدادة إلى إلقاء جثتها الضخمة على الجسد الرشيق لحمايتها، بعد أن فطنت إلى ما سيقوم به موسى، والذي بادر إلى سوط من الجلد. وانهال به على جسد الدادة)) ص 37.
4- تنوع ملفت في التيمات
بناء على ما قلناه آنفا، يتجلى التنوع الملفت للتيمات التي يمكن أن تكون منطلقا لملامسة خصوصية الكتابة عند المرأة، على توجه يروم إلى إبراز مجموعة من الخصال التي ميزت المرأة المغربية ابان الاستعمار وهي: النضال، الصمود، الحب، العطاء، التضحية، الصبر.
ويمكن للقارئ المتتبع لخيوط الحبكة أن يلمس عند مليكة رتنان، رغبتها الجامحة في تسليط أضواء الاعتراف على ما قدمته المرأة للمجتمع والتاريخ، وهي بذلك تصر ضمنيا، على الانتصار للمرأة التي لا زالت صورتها تتأرجح بين التغيب والتجلي.
