حين يتحول عيد الأضحى من شعيرة دينية إلى عبء اجتماعي .
عبد الصادق النوراني .
مع كل عيد أضحى يطل على المغاربة، يتردد في ذهني بيت أبي الطيب المتنبي الشهير:
“عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
أبما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ؟”
فالكثير من الأمور تغيّرت بالفعل، ليس فقط في تفاصيل الحياة اليومية، بل حتى في طريقة تعاملنا مع بعض الشعائر الدينية التي ظلت لقرون مرتبطة بالروحانية والتكافل والبساطة. ويبدو أن عيد الأضحى، أكثر من غيره، أصبح مرآةً لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة يعيشها المجتمع المغربي.
في الأصل، يشكل عيد الأضحى شعيرة دينية ذات أبعاد إيمانية وإنسانية واضحة، تستمد مقاصدها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، حيث يرتبط العيد بقيم التضحية، وصلة الرحم، والتراحم، وتقاسم الفرح مع الفقراء والمحتاجين. غير أن هذه المناسبة الدينية أخذت، خلال السنوات الأخيرة، منحى آخر، إذ تحوّل جانب كبير منها من ممارسة تعبدية إلى مناسبة اجتماعية تحكمها نظرة الآخرين وهاجس “ما سيقوله الناس”.
لقد ساهمت التحولات البنيوية التي عرفها المجتمع المغربي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو القيمي، في تغيير طبيعة الاحتفال بالعيد. فبدل التركيز على البعد الروحي للشعيرة، أصبح التباهي بحجم الأضحية وسعرها ومظهرها جزءاً من ثقافة اجتماعية متنامية، تدفع بعض الأسر، رغم ضيق ذات اليد، إلى الاقتراض أو بيع بعض ممتلكاتها فقط لتجنب الإحراج الاجتماعي أو نظرات المحيط.
ولم يعد غريباً أن نسمع عن أسر تثقل كاهلها الديون من أجل اقتناء أضحية، أو عن لجوء البعض إلى حلول استثنائية فقط للحفاظ على صورة اجتماعية معينة، في حين أن الشريعة الإسلامية نفسها رفعت الحرج عن غير القادرين، واعتبرت الأضحية سنة مؤكدة يُثاب فاعلها ولا يُؤثم تاركها عند العجز.
كما أن بعض المظاهر الجديدة، مثل الذبح الجماعي في المجازر البلدية أو تراجع الأجواء العائلية التقليدية المرتبطة بالعيد، تعكس بدورها حجم التحول الذي أصاب هذه الشعيرة، لتصبح عند فئات واسعة عادة اجتماعية أكثر منها ممارسة دينية ذات أبعاد روحية وتربوية.
إن إعادة الاعتبار للقيم الحقيقية لعيد الأضحى لم تعد مسؤولية الأفراد وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية والأسرة المغربية. فوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مطالبة بتكثيف التوعية الدينية الرصينة، والمدرسة مطالبة بغرس ثقافة المقاصد بدل المظاهر، كما أن الأسرة مطالبة بتحرير الأبناء من ضغط المقارنة الاجتماعية وثقافة الاستهلاك.
لقد آن الأوان لإعادة طرح سؤال جوهري: هل ما زلنا نحتفل بعيد الأضحى باعتباره شعيرة دينية تحمل معاني التقرب إلى الله والتضامن والتراحم، أم أننا حولناه، دون وعي، إلى امتحان اجتماعي قاسٍ يرهق البسطاء ويقيس قيمة الناس بما يملكون لا بما يؤمنون؟