حين تتحول قبلة الأم إلى أقوى أدوات القوة الناعمة .
عبد الصادق النوراني .
في عالم كرة القدم الحديثة حيث تقاس الإنجازات بالألقاب والأهداف والإحصائيات ، اختار اللاعب المغربي أن يكتب قصة مختلفة. قصة لا تبد أ من المستطيل الأخضر ولا تنتهي عند منصة التتويج ، بل تبدأ من حضن أم ، ومن دمعة امتنان ، ومن قبلة على الرأس ، لتتحول إلى رسالة إنسانية عبرت الحدود واللغات والثقافات .
في مونديال قطر 2022، لم تكن صور اللاعبين المغاربة وهم يعانقون أمهاتهم مجرد لقطات عابرة التقطتها عدسات المصورين ، بل كانت لحظة حضارية نادرة أعادت تعريف صورة الرياضي المسلم والعربي والمغربي في أعين الملايين .
فقد رأى العالم لاعبين يهرولون بعد نهاية المباريات ليس نحو الكاميرات بل نحو الأمهات ، يقبلون رؤوسهن ويذرفون الدموع بين أيديهن ، وكأنهم يقولون إن أول منصة للتتويج كانت حضن الأم .
ولم تكن تلك المشاهد استثناء فرضته نشوة المونديال ، بل أصبحت سلوكا متجذرا في شخصية اللاعب المغربي . فبالأمس، وبعد نهاية المباراة أمام هولندا ، تكرر المشهد من جديد. صعد اللاعب إسماعيل الصيباري إلى المدرجات متجاوزا ضجيج الاحتفالات ليحتضن والدته التي لم تستطع أن تحبس دموع الفرح وهي ترى ابنها يواصل كتابة اسمه في سجل النجوم .
لم يكن عناقا عاديا ، بل كان لحظة تختصر سنوات من التضحية والدعاء والصبر ، وتؤكد أن النجاح الحقيقي لا ينسى من صنعوا بدايته .
إن أجمل ما في هذه الصور أنها لم تكن مشاهد مصنوعة لأغراض دعائية ، ولم تُرتب أمام عدسات الإعلام بحثا عن الإعجاب أو الشهرة . جاءت عفوية ، صادقة ، خرجت من القلب فوصلت إلى قلوب الناس في مختلف أنحاء العالم. ولهذا اكتسبت قوة تأثير لا تستطيع آلاف الحملات الإعلامية أن تحققها .
وهنا تتجلى القوة الناعمة المغربية في أبهى صورها . فالقوة الناعمة ليست خطابات رسمية ولا شعارات براقة ، وإنما منظومة قيم تتجسد في السلوك اليومي . وعندما يرى العالم لاعبا مغربيا ، بعد مباراة تاريخية ينسى كل شيء ليبحث عن أمه وسط آلاف الجماهير، فإنه يكتشف بلدا لا يزال يعتبر الأسرة أساس النجاح، وبر الوالدين شرفا لا يقل قيمة عن رفع الكؤوس .
لقد نجح اللاعبون المغاربة فيما عجزت عنه حملات تواصلية بملايين الدولارات . فقد قدموا للعالم صورة مختلفة عن الإنسان المغربي، المسلم ، العربي ، الأمازيغي ، الإفريقي ؛ صورة عنوانها الاحترام والوفاء والتواضع والاعتزاز بالأصول . وساهموا، دون أن يقصدوا في تصحيح كثير من الصور النمطية التي حاولت بعض وسائل الإعلام العالمية ترسيخها لعقود .
ولعل سر هذا التأثير يكمن في أن المغاربة لا يعتبرون الأم مجرد فرد من أفراد الأسرة ، بل مدرسة كاملة ورمزا للتضحية ومصدر البركة. لذلك لم يكن مستغربا أن تتحول الأمهات إلى بطلات موازيات للإنجاز الكروي ، وأن تصبح صورهن جزءا من ذاكرة كرة القدم العالمية .
قد ينسى التاريخ نتائج بعض المباريات ، وقد تتغير قوائم الأبطال مع مرور الزمن ، لكن العالم سيظل يتذكر أن المغرب لم يصنع الحدث فقط بأقدام لاعبيه ، بل أيضا بأخلاقهم . وسيظل يتذكر تلك الأمهات اللواتي وقفن في المدرجات وهن يبكين فرحا وفخرا بعدما رأين أبناءهن يعودون إليهن بنفس التواضع الذي غادروا به بيوتهن .
إنها رسالة مغربية بليغة تقول للعالم إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُرفع فيها الكؤوس فقط ، بل تلك التي يبقى فيها الإنسان وفيا لقيمه مهما ارتفع نجمه. فالألقاب تصنع الأبطال ، أما الأخلاق فهي التي تصنع الأمم .
