بين الوفاء السياسي والانتقائية الإعلامية: لماذا يواصل توفيق بوعشرين الدفاع عن العدالة والتنمية ومهاجمة الاتحاد الاشتراكي؟

0

عبد الصادق النوراني

في عالم الصحافة، يظل الاختلاف في المواقف والتحليلات أمرا طبيعيا، بل ضروريا لإغناء النقاش العمومي وتعزيز التعددية الفكرية والسياسية. غير أن ما يثير الانتباه أحيانا هو تحوّل بعض الأفواه الإعلامية من موقع التحليل النقدي إلى ما يشبه الاصطفاف السياسي غير المعلن، حيث تصبح بعض الشخصيات أو الأحزاب بمنأى عن النقد، فيما تُستهدف أطراف أخرى بحدة لا تخلو من أحكام قيمة وتوصيفات مثيرة للجدل.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الصحفي توفيق بوعشرين في منبره ( بودكاست ، كلام في السياسة ) باعتباره من أكثر الأصوات الإعلامية إثارة للنقاش، خصوصا بسبب دفاعه المتكرر عن عبد الإله ابن كيران وحزب العدالة والتنمية، مقابل انتقاداته اللاذعة والمتكررة لـ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى درجة وصفه أحيانا بـ”الحزب البدوي”، وهو توصيف اعتبره كثيرون مجانبا للإنصاف التاريخي والسياسي.
لقد قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة المغربية لأكثر من عقد كامل، وهي فترة شهدت قرارات سياسية واقتصادية واجتماعية لا تزال آثارها حاضرة في النقاش العمومي إلى اليوم. فمن إصلاح أنظمة التقاعد، إلى تحرير أسعار المحروقات، مرورا بتجميد الحوار الاجتماعي في فترات معينة، وارتفاع معدلات البطالة، وتنامي الاحتقان الاجتماعي في عدد من المناطق، كلها ملفات حمّل جزء واسع من الرأي العام مسؤوليتها للحزب الذي قاد السلطة التنفيذية خلال تلك المرحلة.
ورغم ذلك، يلاحظ متابعون أن بعض الأصوات الإعلامية القريبة فكريا أو سياسيا من الحزب الإسلامي ما تزال تتعامل مع تلك المرحلة بنوع من التبرير المستمر، أو محاولة تحميل المسؤولية لعوامل خارجية، دون ممارسة نقد ذاتي حقيقي يوازي حجم الانتظارات التي علّقها المغاربة على تجربة “الإصلاح في ظل الاستقرار”.
هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا هذا الدفاع المستميت عن حزب فقد جزءا كبيرا من شعبيته السياسية بعد انتخابات 2021؟ ولماذا يتم تقديمه أحيانا كضحية دائمة، رغم أنه كان في موقع القرار لسنوات طويلة؟
في المقابل، يثير استهداف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تساؤلات أخرى، خاصة وأن الأمر يتعلق بحزب يُعتبر من أعرق التنظيمات السياسية في المغرب، وارتبط اسمه بمحطات نضالية كبرى في تاريخ البلاد، من الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى مقاومة سنوات الرصاص والمطالبة بالإصلاحات الدستورية والسياسية.
فمهما اختلفت التقييمات حول تجربة الاتحاد الاشتراكي أو تراجعه الانتخابي والتنظيمي، فإن وصفه بـ”الحزب البدوي” يبدو توصيفا أقرب إلى الإثارة الإعلامية منه إلى التحليل السياسي الرصين، لأنه يتجاهل الخلفية التاريخية والفكرية لحزب ساهمت قياداته ومناضلوه في تشكيل جزء مهم من الوعي السياسي المغربي الحديث.
إن النقد السياسي حق مشروع، بل واجب في بعض الأحيان، لكن الممارسة الصحفية المهنية تقتضي اعتماد ميزان واحد في تقييم الجميع، بعيدا عن الانتقائية أو الانحياز العاطفي أو الإيديولوجي. فالصحافة ليست منصة لتصفية الحسابات السياسية، كما أنها ليست جهازا للدفاع الدائم عن حزب أو زعيم مهما كانت الخلفيات.
إن المشهد السياسي المغربي اليوم في حاجة إلى خطاب إعلامي متوازن، يُخضع جميع الفاعلين للنقد والمساءلة دون تقديس أو شيطنة، ويحتكم إلى الوقائع والمعطيات بدل الانطباعات والأحكام الجاهزة. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام ليس الاختلاف في الرأي، بل فقدان المسافة الضرورية بين الصحفي والفاعل السياسي.
وفي النهاية، يبقى من حق الرأي العام أن يتساءل: هل نحن أمام مواقف صحفية مستقلة فعلا، أم أمام امتدادات غير معلنة لصراعات سياسية وإيديولوجية تُدار بأقلام إعلامية.

اترك رد