بنكيران يطلق مدفعيته على مايسة، والهدف هذه المرة امرأة غير متزوجة .

حين تتحول السياسة إلى محاكمة للحياة الخاصة.. بنكيران ومايسة سلامة الناجي

0

عبد الصادق النوراني .

يبدو أن عبد الإله بنكيران لم يعد يجد في قاموس السياسة ما يكفي لمقارعة خصومه فقرر أن ينزل بالنقاش العمومي إلى أكثر مستوياته ابتذالا ، الحياة الخاصة للنساء .
فبدل أن يناقش أفكار مايسة سلامة الناجي ومواقفها السياسية والفكرية ، اختار أن يفتش في وضعها العائلي وكأن الزواج شهادة حسن سيرة ، وكأن المرأة لا تصبح كاملة المواطنة إلا بعد أن تحمل خاتم رجل . إنها ليست مجرد زلة لسان عابرة ، بل تعبير صريح عن عقلية ترى في المرأة كائنا قابلا للتقييم والوصاية ، وتربط قيمتها الاجتماعية والسياسية بوضعها العائلي .
وبنكيران الذي شغل منصب رئيس الحكومة وكان يفترض أن يكون أكثر حرصا على احترام الدستور وروح دولة المؤسسات ، يعرف جيدا أن الاختلاف السياسي لا يمنح أحدا رخصة لاقتحام الحياة الخاصة للخصوم ، وأن حرية التعبير لا تقاس بمدى اتفاقنا مع صاحبها ، بل بمدى استعدادنا للدفاع عنها عندما يقول شخص ما كلاماًد لا يعجبنا .
قد نختلف مع مايسة ، بل قد نختلف معها جذريا في بعض مواقفها واختياراتها، لكن ذلك لا يمنح بنكيران ولا غيره حق محاكمتها أخلاقيا بسبب كونها امرأة غير متزوجة . فالمرأة ليست مشروع زواج مؤجلا ، وليست قيمتها السياسية رهينة بمن اختارت أن تتزوجه أو ألا تتزوجه ، كما أن كفاءة الرجل أو المرأة لا تقاس بدفتر الحالة المدنية .
المفارقة الأكثر إيلاما أن هذا الخطاب المحافظ لا يجد دائما في المشهد السياسي الحداثي من يواجهه بالصرامة اللازمة . أحزاب ترفع شعارات الديمقراطية والحداثة والحريات الفردية ، لكنها حين يتعلق الأمر بمواجهة خطاب ذكوري صريح تلوذ بالصمت وكأن كرامة النساء تصبح فجأة تفصيلا صغيراً أمام الحسابات الانتخابية والسياسوية.
أما بنكيران، فيبدو أنه لم يغادر بعد تلك المنطقة التي تختلط فيها السياسة بالوعظ ، والاختلاف بالوصاية ، والنقاش العمومي بالتفتيش في الضمائر والحياة الخاصة . وكلما ضاقت به مساحة الحجة ، اتسعت مساحة التلميح والتجريح والتصنيف الأخلاقي .
لهذا، فإن التضامن مع مايسة سلامة الناجي هنا لا يعني بالضرورة تبني أفكارها أو مواقفها السياسية ؛ إنه تضامن مع مبدأ أكبر منها ومن بنكيران معا ، لا أحد يملك حق محاكمة امرأة بسبب كونها غير متزوجة ، ولا أحد يملك مفاتيح كرامة المواطنين ليوزعها على هواه .
لقد انتهى زمن الوصاية على النساء باسم الأخلاق ، كما يجب أن ينتهي زمن استخدام الدين والعادات والحالة الاجتماعية لتكميم الأفواه وإقصاء المختلفين . فالمرأة مواطنة كاملة الأهلية قبل أن تكون زوجة أو أماً أو عزباء أو أرملة، والسياسة تُناقش بالأفكار والمواقف والبرامج ، لا بعدد الخواتم في أصابع أصحابها.
أما بنكيران فكان يمكنه أن يختلف مع مايسة كما يشاء ، لكن كان عليه ولو مرة واحدة أن يترك حياة الناس الخاصة خارج معاركه السياسية .

اترك رد