الأزمة الدبلوماسية بين المغرب واسبانيا والمشهد الجيوسياسي للمنطقة المغاربية ودول الصحراء والساحل (محاولة للفهم)
رشيد أقريش كاتب وصحفي
بداية، نود أن نشير إلى مسالة أساسية جيدا، المغرب لم يكن أبدا سباقا ” للعداء” سواء مع اسبانيا أو غيرها من الدول، المغرب مند منذ نشأته إلى الآن، نهج سياسة “التعايش السلمي” من اجل السلم والسلام والأمن والآمان، والوقوف إلى جانب الدول الصديقة والشقيقة في قضاياها العدالة، صحيح المقال لا يسمح بتعداد مناقب المغرب الدبلوماسية والأدوار التي لعبها في زمنه السياسي، ولكننا، نحاول الآن، تبسيط بعض الأمور بخصوص الأزمة الأخيرة.

بالنسبة لاسبانيا، علينا أن نقف أولا على سيكولوجية بعض الأحزاب السياسية الاسبانية التي تعادي المغرب، الذي يعد سببا من الأسباب في ازدهارها إبان الفتح الإسلامي ومساهمة المغاربة في تشييد الحضارة الإسلامية العربية بالجزيرة الأيبيرية. هذا الحقد الدفين، غير مغيب في الممارسة السياسية لبعض الأحزاب الاسبانية، وتتعامل مع المغرب بنظرة دونية. نحن نعلم، أن اسبانيا وفرنسا، لو أزالتا أنفتهما، واعترفا بناء على ما بين أيديهما من وثائق رسمية حقيقية حول خريطة المغرب الحقيقية، ما كان للمغرب أن يعيش ردها من الزمن، في أزمات جيو إستراتيجية وسياسية، ضيعت على المغرب، وقتا للتنمية المستدامة.
إستراتيجية المغرب، كانت تعتمد على سياسة “للاعنف” السياسي ولا لعداء، متخذا “الحوار” بمثابة القانون الأساسي لكل إشكالية تؤرقه. بل قدم دائما يد المساعدة والتعاون وفق مبادئ القانون الإنساني والدولي. وهو يعرف حق المعرفة، أن موقعه “الاستراتيجي الدولي الهام” لا يمكن ان يكون سهلا، لقربه من دول كانت بالأمس، إما حامية أو مستعمرة، ولديه اليقين، أن مسار بناء المغرب، لن يكون سهلا، بحكم متغيرات سياسية، أحيانا تأتي قي سياق دولي ….و أحيانا أخرى، تكون مفبركة ومسيسة وتحركها أيادي خفية إذا تعلق الأمر بشمال إفريقيا وأوروبا الغربية.
نستحضر هنا علاقة المغرب مع القارة الإفريقية، وكيف كانت مواقف بعض الأنظمة السياسية معادية لأحقية “المشروعية التاريخية والسياسية” للمغرب في صحرائه، وكيف أسفر ذلك عن انسحاب المغرب في القمم الإفريقية ومنظمة الاتحاد الإفريقي، ونستحضر هنا، كيف كان المغرب العربي مقسما إبان المقاربة الثنائية القطبية، والأيدلوجية الشرقانية. وبمبادرة من المغرب لجمع شمل دول المغرب العربي تم تأسيس تنظم دولي أطلق عليها ” اتحاد المغرب العربي “.
المغرب، حافظ على توازنه الدبلوماسي فيما يخص قضية وحدته الوطنية، سواء في الأمم المتحدة أو للاتحاد الأوروبي أو في المحافل الدولية الأخرى، لافتا في الآن نفسه، أن المغرب، إلىجانب القضايا العدالة لبعض الدول الشقيقة والصديقة، وسبق أن اشرنا إلى آن في العلاقات الدولية متغيرات طارئة، مثال ذلك، الأزمة التي دارت مؤخرا بين بعض الأنظمة الشرق الأوسط، حيث كاد فيها العقل السياسي الخليجي أن يفقد صوابه، ولعل من تجلياتها: الأزمة السورية وتأثيراتها داخليا وخارجيا. قرارات الإدارة الأمريكية سابقا. الأزمة الليبية. الأزمة التركية مع تنظيم القاعدة…..
المغرب يجدد سياسة ” الباب المفتوح” في وجه العالم
برجوعنا إلى الأزمة الاسبانية مع المغرب، نوجه عناية القارئ إلى أن المغرب، لم يك سببا في الأزمة ، بل اسبانيا، وأسباب ذلك، الانتصارات المغربية في السياسة الخارجية على جميع المستويات، سواء علاقة جنوب جنوب أو مع الأمريكيتين، بالإضافة إلى تحسين جودة العلاقات مع الدول الخليجية، وتثمين العلاقة مع إسرائيل. هذا النهج الدبلوماسي، قد نسميه، ” سياسة الباب المفتوح ” المغربي تجاه العالم. والغاية منه، إبراز للعالم أن المغرب، ملكا وحكومة وشعبا، ماضون في مسار تنموي منفتح منسجم مع متغيرات النظام الدولي الجديد، مؤسسين شرعيتهم على مبادئ التسامح الديني والعقائدي والتعايش السلمي العالمي. ولعل هذا المعطى، هو الذي أعطى للدول الشقيقة والصديقة، الانطباع على سلامة النموذج التنموي المغربي، بل حظي بتأييد دولي وترحيب عالمي، كنموذج يحتدا به، يمكن اقتباسه لبعض الأنظمة التي تسعى إلى استتباب أمنها الاجتماعي والاقتصادي وغيره. كما ساهم في تعزيز الثقة في الشركاء الإقليميين والدوليين من خلال الوضع المتقدم مع الاتحاد الأوروبي، والشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
العلاقات المغربية الاسبانية الجزائرية
نشير في هذا الإطار، إننا لا نستطيع تفكيك خيوط اللعبة الممهنجةبرمتها ضد المغرب، من قبل اسبانيا، ولكن النظرة الأولى، توضح بجلاء، أن اسبانيا كانت طعمة سائغة ل “طكتيت” جزائري، وفرصة ليتضح التحشيد السياسي والإعلامي لليمين المتطرفالإسباني ووراءه الأوروبي ضد المغرب، مثل” فوكس”.
الأزمة الراهنة توضح تنافس الأحزاب الإسبانية على الاستغلالالسياسي الضيق للمغرب، كمادة دسمة، لبدء حملة انتخابيةسابقة لأوانها تحضيراً لاقتراع 2023. كما توضح، هشاشة الحكومة السياسية والدبلوماسية، في مثل هذه القضايا الإستراتيجية المتعلقة بالدول الشقيقة. وبذلك، تتجاهل الأحزابالسياسية الاسبانية، التاريخ المشترك للعدوتين، وتقوض بذلك مسار التعاون المشترك الراهن والمستقبلي.
الأخطاء السياسية الإسبانية
استقبال غالي، المدان من قبل القضاء الاسباني،
ما أغضب الرباط، هو استقبال ” غالي” من قبل اسبانيا، بدعوات مبطنة من قبل أحزاب معارضة للطموح المغربي في التنمية، بدعوى العلاج وبأوراق مزورة، وقد وصل غالي من الجزائر بجوازسفر دبلوماسي جزائري. ناسين أن المعني بالأمر، مجرم ضد الإنسانية، ومدان من قبل القضاء الاسباني. وكشفت وثائق أنغالي، تلقى أمر استدعاء للمثول أمام المحكمة في الأول من يونيولحضور جلسة أولية في قضية تتعلق بارتكاب جرائم حرب. وأنجماعات حقوقية تتهم غالي وقيادات أخرى للجبهة وأفرادا فيالصحراء المغربية بارتكاب جرائم من بينها الإبادة الجماعية والقتلوالإرهاب والتعذيب.

الأزمة، توضح الشرخ السياسي باسبانيا، والضعف الدبلوماسي للأحزاب، حيث لا تفرق بين تاريخ المغرب في علاقته مع اسبانيا والجزائر التي أنشأتها فرنسا في سياق دولي معروف. والجزائرتحاول إقحام اسبانيا التي كانت تحتل الصحراء المغربية، لإيقافالتأييد الدولي لمغربية الصحراء، ولإيقاف الإشعاع الدبلوماسيللمغرب، بعد أن عزلت الجزائر نفسها إقليميا ودوليا حين استمر الحراك الشعبي بها لأزيد من سنتين.
الجزائر، انكشفت دسائسها السياسية ضد المغرب، مند استقلالها، ويكفي أنها حشرت نفسها في قضية بعيدة عنها، بل تضع جميع الوسائل اللوجستيكية لإقناع العالم بالجمهورية الوهمية، والحركة الانفصالية، التي ترتزق على حساب إخواننا المحتزين في تندوف. ويكفي التقارير الدولية، التي وصفت المنطقة، بساحة “التهريب والتجار في البشر والممنوعات والأسلحة وتهديد المنطقة امنيا”.
الإجماع الدولي لمقترح الحكم الذاتي
العقدة التي أوجعت الجارة الجزائر، المقاربة التي حظيت بالإجماع الدولي لجديتها ومصداقيتها. المغرب في مسار بنائه “المؤسساتي”، لم تك الجزائر ضمن أولوياته الخارجية، أو المشكل الذي يهدد أمنه، لان مسار الثقة، اتخذ على أسس إستراتيجيةعالية المستوى. المغرب ينظر للأفق من مرتفع عال جدا، وفق سياسة تأخذ بعين الاعتبار تاريخ المغرب وحاضره ومستقبله. لم تك الجزائر يوما ما انشغلا مغربيا، نعطيه أكثر من حجمه إعلاميا أو ما شابه. المغرب يتعامل مع الجارة الشقيقة، وفق التاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة والمستقبل التنموي الواعد للأجيال. ووفق الاتفاقيات والأوفاق المبرمة بين البلدين. المغرب يتسم بالهدوء، وهذا يقلق جارتنا الشقيقة التي تهدر أموال إخواننا الجزائريين فيما لا فائدة فيه، ” وهو ضرب من السفه” عند جمهور الفقهاء.
حل الأزمة ضمن حل الملفات العالقة الأخرى
مما لاشك فيه، أن تدبير الأزمات السياسية في العلاقات الدولية، لا يمكن أن تستمر، إذا تعلق الأمر، بدولتين يجمعهما تاريخمشترك، ومستقبل واعد للتنمية، وأفق لتعزيز مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. وبحكم ما سبق، من عناصر اشتراك، فانمصير العلاقة المغربية الاسبانية لا يمكن إن تؤثر عليها أزمة ” عابرة” وان كانت معبرة” من الناحية الدبلوماسية، حيث من حق اسبانيا، الاعتراف بالخطأ، ورد الاعتبار للمغرب، بشتى الطرق ” الإتيكيت” الدبلوماسي المتعارف عليها في مثل هذه المواقف بين دولتين شقيقتين.
وعلى اسبانيا، ألا تغرد خارج السرب العالمي المؤيد للمقاربة المغربية حول مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية المغربية. ولا على مقترحات المغرب الرامية إلى تعزيز التعاون جنوب /جنوب أو جنوب غرب.
تاريخ العلاقات بين البلدين، كان دائما حاضرا بين مختلف الفرقاءالاسبانيين، لدرجة ان مواقفهم اتجاه المغرب، كانت تتفادى أي خلاف عميق، بل تخشى مواقف المغرب، ونستحضر هنا 1982 فوز الاشتراكين الموالين للجزائر الداعمة للجبهة الوهميىة، ساد قلقكبير في الأوساط السياسية الإسبانية مخافة تدهور العلاقات معالمغرب. خوف الإسبانيين يجد تبريره في الأثر النفسي الذي تركتهالمسيرة الخضراء، إضافة إلى التهديدات المغربية سواء ما تعلقمنها بفتح ملف تحرير سبتة ومليلية من الاستعمار الإسباني، أوما ارتبط منها بإعادة النظر في وضعية المصالح الإقتصاديةالإسبانية بالمغرب.
فحسب أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية، قال الملك الإسبانيللرئيس الأمريكي بشأن تدهور العلاقات المغربية الإسبانية:” الملكالحسن صعب للغاية، لا يمكنك تخيل ذلك الرجل…إنه يوقف قواربالصيد الإسبانية وفي نفس الوقت يشكو من أن إسبانيا لا تدعمالمغرب في قضية الصحراء…إنه عنيد، عنيد، عنيد”.
التعاون العسكري بين المغرب وفرنسا واسبانيا، كفيل بحلحلتالأزمة، لان المنطقة معنية بما يجري بدول الصحراء والساحل، وما يجري من حراك بالجارة الجزائر، وإشكالية الحدود مع ليبيا الانتقالية، بالإضافة إلى إشكالية ” سد النهضة ” وتدعياتهالإقليمية….فالأزمة تذوب أمام كل هذه التحديات الجسام في العلاقات الدولية بالمنطقة.
انتصار مؤتمر صخيرات بالمغرب ..
الجزائر لا يهمها لعب دور أساسي بقدرما “معاكسة جهود المغرب الإقليمية”.
لعب المغرب دورا محورا في الأزمة الليبية، تزامن مع انطلاق عمليةسياسية في ليبيا تقودها حكومة وحدة وطنية، حول التعيين فيمناصب سيادية، استكمالا لجلسات التفاوض التي استضافتهاالمملكة وشارك فيها ممثلون عن طرفي النزاع في ليبيا، عام 2015،والذي أفضى للاتفاق الحالي الذي تمخضت عنه حكومة الوحدةالوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة.
في هذا السياق، نجد تنافسا حقيقيا بين الرباط والجزائر للعبدور في مسار تسوية الأزمة الليبية ووصف ذلك بـ “التنافسالمشروع، أيضا وجود تنافس بين مصر والجزائر.
والحقيقة هي أن دور المغرب بارز من خلال البيانات الصادرة عن لقاءات الصخيرات، بالنسبة للجزائر، اعتبر بعض المحللين، كلامالجزائر في الموضوع، إعلامي ليس له علاقة بالحقيقة” كونالجيش الجزائري وقت بداية الأزمة إلى الآن، ليس له الوقتللتدخل بالنظر إلى المشاكل الداخلية التي عاشتها الجزائر مؤخرامن حراك شعبي. وكذالك مصر، فالمنتظم الدولي يعتمد مضامين لقاءات صخيرات، ويدعم مجهود المغرب في حلحلت الأزمة، خاصة في المادة 15، المتعلقة بالمناصب السيادية.
الجزائر تعيش على وقع أزمة سياسية، ويطالب الشعب منذسنتين بإبعاد المؤسسة العسكرية عن المشهد السياسي،فالأوضاع الداخلية أضعفت الدور المنتظر من الجزائر في الملفالليبي كما المصري المنهمك في أزمة سد النهضة.
الجزائر لا يهمها لعب دور أساسي بقدر اهتمامها بـ “معاكسةجهود المغرب الإقليمية”، “المشكل في العقيدة السياسية للنظامالجزائري والتي تتلخص في عدم السماح للمغرب بلعب أي دورريادي”. ولكن لماذا لم تنافس تركيا المتحكمة في دوليب المشهد العسكري…
الوساطة الفرنسية
بداية، لا بد من الاعتراف، كما سبق قوله، على فرنسا، إزالة الأنفة” الواهية” وتعترف بالصحراء المغربية، فلها أرشيف حافل بالوثائق، وبناء عليه، يمكن أن تكون ” الاستشاري السياسي ” لاسبانيا، حول الأزمة المفتعلة بين البلدين، فالأزمة التي أحدثها ” الثغرين المحتلين المغربيين”، واهية، بل تبين للرأي العام، الحقد الدفين ضد المغرب، غزو سبتة ومليلية، واستقبال غالي، النقطة التي أفضت كأس اسبانيا في الآونة الأخيرة، بالنظر إلى فتح العديد من القنصليات والسفارات بالإقليم الجنوبية، والدعم الأمريكي للامشروط للمغرب ولمعظم دول الخليج، ارهب اسبانيا كما ارهب الجارة الجزائر ودميتها ” الوهمية “. لذلك نراها تأخرت في إعطاء مواقفها السيادية السياسية تجاه هذا المنحى العام للانتصارات المغرب الدبلوماسية.
وفرنسا، هي الأخرى، اشترطت لفتح قنصلية، بعدد المواطنين الفرنسيين بالمنطقة الجنوبية، وهو تملص من المسؤولية الدولية، بحكم ” الأنفة ” الاستعمارية، وبذلك يتضح أن مشكل المغرب، ليس بقية العالم، بل دول الجوار، التي لا ترغب في أن يكون للمغرب حظوة في المنتظم الدولي.
الوساطة الفرنسية لا تعدو أن تكون “محاولة”، لان فرنسا تترقب ما يسفر عليه الاتحاد الأوروبي حول هذا الخلاف، ولا تريد أن تتخذ قرارا ليس في صالحها والانتخابات مقبلة 2023، لذلك، ففرنسا وغيرها من الدول من ضمنها اسبانيا، مرهونة بمصير تيار اليمين المتطرف الأوروبي المعادي للمغاربة والأجانب…
أمام فرنسا سنريوهات، التعامل مع الأزمة بهدوء وخطى ثابتة، استثمار الوقت السياسي الأوروبي، استغلال الأزمة ضد تطلعات المغرب الإستراتيجية. وهذا ما ثبت حين نسقت مع الجيش الجزائري في منطقة الصحراء لتعويضها للوجستيكيا بعد فشل مشروعها العسكري بالمنطقة في محاربة تنظيم القاعدة.