ابن كيران وذاكرة المغاربة التي لا تموت .
عبد الصادق النوراني .
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يكثر الحديث عن الغائب الحاضر، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، الذي اختار هذه المرة الابتعاد عن خوض غمار الانتخابات، في خطوة يقرأها كثير من المتتبعين باعتبارها هروبا سياسيا من مواجهة صناديق الاقتراع، أكثر مما هو قرار شخصي كما يحاول حواريوه التسويق له .
فالرجل الذي ظل لسنوات يقدّم نفسه باعتباره صوتا للشعب وحامي القدرة الشرائية له يدرك اليوم جيدا أن ذاكرة المغاربة ليست قصيرة كما يتوهم، وأن مرحلة تدبير حزبه للشأن العام ما تزال جراحها الاجتماعية والاقتصادية مفتوحة في وجدان فئات واسعة من المواطنين، خصوصا الطبقة المتوسطة والطبقات الهشة التي دفعت الثمن غاليا.
لقد جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2011 على إيقاع ما سُمّي بـالربيع العربي ، مستثمرا حالة الاحتقان الاجتماعي والخطاب الديني والشعبوي، ومقدّما نفسه كبديل أخلاقي قادر على محاربة الفساد والاستبداد. لكن ما إن جلس الحزب على كرسي السلطة حتى تحولت الشعارات إلى مجرد دخان سياسي، وانكشف التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة.
ففي عهد حكومة ابن كيران، شهد المغرب موجة غير مسبوقة من القرارات الاجتماعية القاسية، كان أبرزها رفع أسعار المحروقات وتحريرها في ظروف أثارت الكثير من الجدل، رغم تراجع أسعار النفط عالميا، وهو القرار الذي فتح الباب أمام ارتفاع مهول في أسعار النقل والمواد الأساسية، لتبدأ معها معاناة يومية للمغاربة ما تزال تداعياتها مستمرة إلى اليوم.
ولم تتوقف حكومة حزب العدالة والتنمية عند هذا الحد، بل أجهزت على صندوق المقاصة، ورفعت أسعار الماء والكهرباء والمواد الأساسية، ووسعت الوعاء الضريبي ليشمل حتى الفئات البسيطة، في وقت ظل فيه كبار المستفيدين من اقتصاد الريع بعيدين عن أي مساءلة حقيقية. أما الطبقة المتوسطة، التي كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي، فقد تعرضت لعملية إنهاك ممنهجة عبر تجميد الأجور، والاقتطاع من أجور المضربين، وضرب التوظيف العمومي، وتأجيل الترقيات، والإجهاز على عدد من المكتسبات الاجتماعية.
وفي قطاع التعليم، الذي كان ينتظر إصلاحا حقيقيا، فُتح الباب على مصراعيه أمام الخوصصة وتسليع المعرفة، وتم ضرب مجانية التعليم بشكل غير مباشر، مع التضييق على خريجي مراكز التكوين، وتقليص فرص الشغل، وفتح المجال أمام مؤسسات خاصة باهظة التكاليف لا يقدر عليها سوى أبناء الميسورين. أما قطاع الصحة، فقد سار في الاتجاه نفسه، حيث تعزز حضور الخواص وكليات الطب الخاصة مقابل تراجع الخدمات العمومية.
أما على مستوى الحريات، فقد ارتبطت تلك المرحلة بقمع احتجاجات المعطلين والطلبة والأساتذة المتعاقدين ، والتضييق على العمل النقابي والحقوقي، في تناقض واضح مع الصورة التي حاول الحزب رسمها عن نفسه كمدافع عن الديمقراطية والكرامة.
والأخطر من ذلك كله أن حزب العدالة والتنمية، الذي جاء بشعار محاربة الفساد ، انتهى إلى التحالف مع من كان يصفهم سابقا بـالمفسدين، وكرّس منطق الولاءات الحزبية والتمكين التنظيمي، دون أن يحقق اختراقا حقيقيا في ملفات الرشوة واقتصاد الريع، بل إن كثيرين يعتبرون أن هذه الظواهر استفحلت أكثر خلال تلك المرحلة.
اليوم، يحاول ابن كيران العودة إلى الواجهة عبر خرجات شعبوية تستهدف دغدغة مشاعر المغاربة بخطابات ساخرة ومثيرة، لكنه يتجاهل أن المواطنين لم يعودوا ينخدعون بسهولة بالكلمات الرنانة أو النكت السياسية ، فالأرقام والوقائع والقرارات المؤلمة ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للمغاربة.
إن عدم ترشح ابن كيران لانتخابات 2026 لا يمكن فصله عن هذا الإدراك العميق بحجم الغضب الشعبي الذي خلفته عشرية العدالة والتنمية، وعن الخوف من تلقي هزيمة سياسية مدوية قد تنهي ما تبقى من رصيده الرمزي. فالرجل الذي كان يملأ الساحات بخطاباته الحماسية، يدرك اليوم أن امتحان الصندوق قد يكون قاسيا، وأن المغاربة الذين تضررت جيوبهم ومعيشتهم لا ينسون بسهولة من ساهم في إنهاكهم.
لقد كانت مرحلة حكم حزب العدالة والتنمية، بالنسبة لشرائح واسعة من المغاربة، عنوانا لعشرية سوداء اجتماعيا، ارتفعت فيها الأسعار، وتراجعت الثقة، وتعمقت الفوارق، وتم خلالها تمرير قرارات وُصفت بأنها الأخطر على القدرة الشرائية والحقوق الاجتماعية منذ سنوات طويلة.
وبين خطاب الأمس وواقع اليوم، يبقى السؤال مطروحا: هل يستطيع ابن كيران فعلا إقناع المغاربة بأنه لم يكن مسؤولا عما آلت إليه أوضاعهم، أم أن ذاكرة الشعب ستظل أقوى من كل محاولات إعادة التلميع السياسي ؟