أمريكا تُسقط أقنعة العربدة الكروية ،
عبد الصادق النوراني .
في مشهد لافت التقطته عدسات المصورين داخل أحد المطارات الأمريكية، ظهر مدرب المنتخب السنغالي باب ثياو يخضع بهدوء لتعليمات رجال التنظيم والأمن، رافعا ذراعيه في انضباط كامل، بلا احتجاج ولا استعراض ولا تلك العنتريات التي كثيرا ما تصاحب بعض المنتخبات والمسؤولين عندما تطأ أقدامهم الملاعب الإفريقية.
الصورة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد لقطة عابرة، بل تحولت إلى مادة دسمة للمقارنة بين وجهين متناقضين لشخصية واحدة: وجه متعالٍ متمرد خلال بعض محطات كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب، ووجه آخر خاضع تماما لقواعد البلد المضيف حين تعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث لا مجال للفوضى ولا للتصرفات الشعبوية ولا لابتزاز المنظمين عبر التصريحات والاتهامات المجانية.
لقد تابع الجميع خلال بطولة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب كيف تحولت بعض الوفود الرياضية إلى مصدر دائم للجدل، عبر شكاوى متكررة حول الفنادق والتنقلات والتحكيم وحتى الناموس ، في مشاهد بدت أحيانا أقرب إلى صناعة الأعذار المسبقة منها إلى التنافس الرياضي الشريف.
وكانت بعض التصريحات تحمل قدرا كبيرا من الاستفزاز والتعالي، وكأن حسن الضيافة الذي وفره المغرب صار مدعاة للتطاول بدل الامتنان.
لكن الصورة الأمريكية جاءت كاشفة وصادمة في الآن ذاته؛ إذ بدا واضحا أن الصرامة القانونية هناك قادرة على إعادة الجميع إلى حجمه الطبيعي. فالكل يعلم أن أي تجاوز لفظي أو سلوك غير لائق داخل الأراضي الأمريكية قد يجر على صاحبه عقوبات قاسية، تبدأ بالطرد الفوري، وقد تصل إلى المنع من دخول البلاد مستقبلا أو حتى المتابعة القانونية في بعض الحالات.
الأمر ذاته ينطبق على مدرب المنتخب المصري الذي كان موضوع مقال سابق بالجريدة ، والذي ظهر تحت حرارة الشمس الحارقة في ظروف عادية جدا، دون ضجيج إعلامي أو شكاوى متكررة أو محاولات لصناعة بطولة وهمية خارج المستطيل الأخضر.
لم نسمع هذه المرة حديثا عن المؤامرات ولا عن سوء التنظيم ولا عن استهداف المنتخبات الإفريقية، لأن الجميع يدرك أن قوانين الدول القوية لا تُواجه بالشعبوية ولا بالصراخ.
الدرس الأمريكي كان عميقا وواضحا ، التنظيم الحقيقي لا يقاس بعدد الابتسامات ولا بفخامة الولائم ولا بحسن الاستقبال فقط، بل بمدى احترام القانون وهيبة المؤسسات وقدرتها على فرض النظام على الجميع دون استثناء.
أما في إفريقيا، فغالبا ما تتحول كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال إلى نقطة ضعف يستغلها البعض في ممارسة الابتزاز الإعلامي والتنكر لكل المجهودات المبذولة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فكلما بالغت بعض الدول الإفريقية في إكرام ضيوفها، ازداد بعض هؤلاء الضيوف جحودا ونكرانا، وكأن الاحترام يُفهم خطأ على أنه ضعف.
لقد كشفت هذه الصورة، ببساطة شديدة، أن كثيرا من (الأسود) يتحولون خارج إفريقيا إلى مجرد قطط أليفة حين يجدون أنفسهم أمام دول تعرف كيف تفرض احترامها بالقانون، لا بالعواطف والشعارات .
