ألعاب القوى المغربية.. من صناعة المجد إلى زمن الهزائم وسؤال المحاسبة .

0

عبد الصادق النوراني .

لم تعد خيبات ألعاب القوى المغربية مجرد نتائج عابرة أو كبوات ظرفية يمكن تجاوزها ببعض التبريرات الجاهزة، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى عنوان بارز لانحدار رياضة كانت إلى وقت قريب مفخرة للمغرب ورمزاً لتفوقه في المحافل الدولية.
فمنذ سنوات طويلة، لم يعد الجمهور المغربي يسمع النشيد الوطني فوق منصات التتويج الأولمبية والعالمية إلا نادراً، ولم تعد ألعاب القوى المغربية قادرة على صناعة أبطال من طينة الجيل الذهبي الذي رفع راية المغرب عالياً في مختلف المضامير العالمية.
الإستثناء الوحيد الذي كسر هذا الجفاف الطويل يبقى البطل الأولمبي والعالمي سفيان البقالي، الذي تحول إلى شعاع أمل وسط هذا الركام الرياضي. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن البقالي لم يكن ثمرة مشروع وطني متكامل أو نتاجاً مباشراً للمدارس الجهوية التابعة للجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى، بل كان اكتشافاً للمدرب كريم التلمساني، في دلالة واضحة على أن الموهبة الفردية هي التي صنعت الفارق، لا المنظومة الرياضية القائمة.
وإذا كان البقالي قد نجح في إنقاذ ماء وجه ألعاب القوى المغربية خلال السنوات الأخيرة، فإن ذلك لا يخفي حجم الأزمة العميقة التي تعيشها هذه الرياضة، بعدما تحولت المشاركات المغربية في البطولات العالمية والألعاب الأولمبية والملتقيات الدولية إلى سلسلة متواصلة من الإقصاءات والنتائج الباهتة التي لا تليق بتاريخ المغرب ولا بحجم الإمكانيات المرصودة لهذا القطاع.
إن المتتبع للشأن الرياضي الوطني يطرح اليوم أكثر من علامة استفهام حول أسباب هذا الانهيار المزمن، خاصة وأن الجامعة الوصية تتوفر على إمكانيات مالية ولوجستيكية ضخمة، فضلاً عن بنية تحتية توصف بالعالمية، تتوزع بين المراكز الجهوية ومعهد وطني متخصص وأكاديمية رياضية حديثة بمدينة إفران. ومع ذلك، ظل الحصاد فقيراً، وظلت الميداليات والألقاب غائبة، وكأن كل تلك المشاريع العملاقة لم تكن سوى واجهات استهلاكية بلا أثر حقيقي على أرض الواقع.
لقد أدى هذا الوضع إلى إجهاض أحلام أجيال كاملة من العدائين والعداءات المغاربة الذين كانوا يتطلعون إلى السير على خطى الأساطير المغربية التي صنعت أمجاد ألعاب القوى الوطنية. كما ساهمت حالة الإحباط والتهميش وغياب الأفق الرياضي الواضح في هجرة عدد من الكفاءات نحو تمثيل دول أخرى، خليجية وأوروبية وأمريكية، بحثاً عن التقدير والرعاية وفرص النجاح.
وتكاد مختلف الآراء الرياضية والإعلامية تجمع اليوم على أن الأزمة ليست أزمة مواهب، بل أزمة تدبير ورؤية وحكامة. فإقصاء الكفاءات، وغياب التخطيط العلمي، وعشوائية البرمجة، وضعف التأطير التقني، كلها عوامل ساهمت في إخراج ألعاب القوى المغربية من دائرة المنافسة العالمية، وتحويلها إلى رياضة تعيش على أمجاد الماضي فقط.
وفي ظل استمرار هذا النزيف الرياضي، ترتفع أصوات كثيرة مطالبة بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرة أن رئيس الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى عبد السلام أحيزون يتحمل المسؤولية السياسية والرياضية والأخلاقية عن هذا التراجع، بحكم إشرافه على تدبير هذه الرياضة لما يفوق عقدين من الزمن.
إن ألعاب القوى المغربية اليوم ليست في حاجة إلى خطابات تبريرية أو وعود موسمية، بل إلى ثورة إصلاحية حقيقية تعيد الاعتبار للكفاءة والتخطيط والتكوين، وتنقذ ما تبقى من هيبة رياضة كانت يوماً مصدر فخر للمغاربة. أما الاستمرار في تدبير الأزمة بالعقلية نفسها، فلن يؤدي سوى إلى مزيد من الهزائم، ومزيد من إهدار الزمن الرياضي الوطني

اترك رد