من يدير الكرة بعقل الدولة، يحصد ثمار التخطيط .

0

عبد الصادق النوراني .

يصعب الحديث عن النهضة الكروية المغربية دون التوقف عند التحول الذي عرفته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة . فبعيدا عن لغة الشخصنة ، تؤكد الوقائع أن المؤسسة انتقلت من منطق تدبير المنافسات إلى منطق بناء منظومة متكاملة ، وهو تحول ارتبط بقيادة فوزي لقجع الذي اعتمد مقاربة تقوم على التخطيط طويل المدى وربط المسؤولية بالمحاسبة ، والاستثمار في التكوين ، وتطوير البنيات التحتية وتعزيز الحضور المغربي داخل الهيئات القارية والدولية .
لقد أصبح المغرب يتحدث اليوم بلغة المؤسسات لا بلغة الصدف . فحين كانت بعض الاتحادات الكروية في القارة تنفق الملايين على استقدام المدربين دون بناء قاعدة صلبة ، كان المغرب يستثمر في مراكز التكوين ويؤهل الحكام ويطور الإدارة الرياضية ويرفع من جودة البطولة الاحترافية ويشجع الأندية على اعتماد حكامة مالية وإدارية أكثر صرامة .
ولذلك، لم يكن الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم بقطر معجزة رياضية ، كما لم يكن الانتصار على كندا في المونديال الحالي مفاجأة عابرة ، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأ منذ سنوات وتغذى بالعمل اليومي والانضباط والاستمرارية .
إن التجربة المغربية تقدم اليوم درسا بليغا لكثير من الدول العربية والإفريقية التي ما زالت تراهن على الحلول السريعة . فالرياضة كما الاقتصاد والتنمية لا تبنى بالشعارات ولا بالخطابات الرنانة ولا بتغيير المدربين بعد كل هزيمة ، وإنما تبنى بالمؤسسات القوية والكفاءات والاستثمار في الإنسان .
ولعل أجمل ما في النموذج المغربي أنه لم يعد يبحث عن إنجاز استثنائي يروى للأجيال ، بل يعمل على تحويل النجاح إلى ثقافة دائمة والتألق إلى عادة والتأهل إلى كأس العالم إلى أمر طبيعي لا حدثا استثنائيا يحتفل به كل أربع سنوات .
لقد أدرك المغرب مبكرا أن كرة القدم أصبحت صناعة قائمة بذاتها ، وواجهة للدول وجسرا للدبلوماسية الناعمة ومحركا للاستثمار والسياحة وعنوانا لصورة الأمم في العالم . لذلك لم يكتف ببناء منتخب قوي ، بل بنى منظومة كروية متكاملة تمتد من ملاعب القرب إلى الملاعب العالمية .
ولهذا فإن انتصار أسود الأطلس على كندا لا ينبغي أن يقرأ باعتباره ثلاث نقاط جديدة في رصيد المنتخب ، بل باعتباره انتصارا جديدا لمشروع دولة آمنت بأن الرؤية الواضحة حين تقترن بالإرادة والعمل ، قادرة على صناعة المعجزات على أرض الواقع .
لقد أثبت المغرب أن المجد الرياضي لا يشترى بل يصنع . ولا يهبط من السماء، بل يرتفع من الأرض حجرا فوق حجر ، ومؤسسة بعد أخرى حتى يصبح النجاح عادة ، ويغدو رفع العلم المغربي في أكبر المحافل العالمية أمرا يليق بوطن اختار أن يخطط للمستقبل بدل أن ينتظر الحظ .

اترك رد