مستعجلات تشتغل فوق طاقتها وأطر صحية تصنع الفارق رغم الخصاص في مستشفى القرب بالمحاميد .
عبد الصادق النوراني .
تحول حي المحاميد بمدينة مراكش، خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكبر التجمعات السكنية بالمدينة، بعدما تجاوز عدد سكانه سقف 120 ألف نسمة. غير أن هذا التوسع الديمغرافي المتسارع لم يواكبه تطور مماثل في البنيات الصحية ، ما جعل العرض الصحي بالمنطقة يعيش تحت ضغط متزايد ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات وظروف اشتغال الأطر الطبية والتمريضية .
ففي الوقت الذي يضم فيه الحي أربعة مراكز صحية فقط ، لا يقدم الخدمات الصحية منها سوى مركزين اثنين بينما يخضع المركزان الآخران لأشغال الإصلاح ، وهو ما يقلص بشكل كبير من الطاقة الاستيعابية للقطاع الصحي بالمنطقة . والأكثر إثارة للانتباه أن عدد الأطباء العاملين بهذه المراكز لا يتجاوز ستة أطباء لفائدة أكثر من 120 ألف نسمة ، في وقت تفتقر فيه المراكز الصحية الحضرية إلى سيارات الإسعاف ، كما يغيب بشكل كامل المراكز الصحي البلدي والمراكز الصحية المرجعية التي يفترض أن تشكل حلقة أساسية في تقريب الخدمات من المواطنين .
غير أن الصورة الأكثر تعبيرا عن واقع القطاع الصحي بالمحاميد تتجسد داخل مستشفى القرب ، وتحديدا بمصلحة المستعجلات التي أصبحت تتحمل أعباء تفوق بكثير المهام التي أنشئت من أجلها .
فهذا المرفق الصحي المخصص أساسا لتقديم العلاجات الأولية والمستعجلة ، يضم مصلحة للمستعجلات الأولية، ودارا للولادة الخاصة بالحالات الطبيعية، ووحدة للأشعة الأساسية ، ومختبرا للتحليلات الطبية الأولية ، إضافة إلى مصلحة للاستشفاء بطاقة استيعابية لا تتجاوز عشرون سريرا .
لكن هذه البنية المحدودة تجد نفسها يوميا أمام ضغط هائل ، حيث تستقبل مصلحة المستعجلات ما يقارب 200 مريض يوميا ، ليس فقط من أحياء المحاميد ، بل أيضا من الجماعات والمناطق المجاورة كسعادة وتسُلطانت وآيت إيمور، وهو ما حول المستشفى عمليا إلى نقطة استقطاب إقليمية تتجاوز إمكانياته البشرية واللوجستيكية .
وتزداد حدة الإكراهات مع النقص الواضح في الموارد البشرية ، إذ لا يتوفر المستشفى سوى على خمسة أطباء واثنين وعشرين ممرضا وممرضة لتغطية مختلف الخدمات والتخصصات . كما يعاني من خصاص في أعوان الحراسة والنظافة، وانعدام دافعي النقالات وأعوان الاستقبال والإرشاد ، وهي فئات تبدو ثانوية للبعض لكنها تشكل في الواقع عصب السير العادي لأي مؤسسة صحية .
ولا تقف المشاكل عند هذا الحد ، بل تمتد إلى نقص بعض المستلزمات الطبية وغياب أخرى تعتبر ضرورية داخل مصلحة المستعجلات ، فضلا عن غياب مرافق صحية خاصة بالأطر الطبية والتمريضية (مراحيض) ، وخاصة بالنسبة للعنصر النسوي الذي يشتغل في ظروف لا تليق بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه .
ويبدو أن إغلاق مركزين صحيين حضريين بسبب الإصلاحات ، إلى جانب غياب مركز صحي بمنطقة بوعكاز ، ساهم بشكل مباشر في تفاقم الضغط على مستعجلات مستشفى القرب ، حيث يجد المواطنون أنفسهم مضطرين للتوجه إليه حتى في الحالات التي يفترض أن تتكفل بها المراكز الصحية الأساسية .
هذا الوضع يخلق أحيانا سوء فهم بين المرتفقين والأطر الصحية ، خاصة عندما يطالب بعض المرافقين بخدمات أو تجهيزات أو أدوية تدخل ضمن اختصاصات المراكز الصحية وليس المستشفى الأمر الذي يؤدي في بعض الحالات إلى مشادات كلامية وفوضى يصعب احتواؤها في ظل محدودية عدد أعوان الأمن الخاص .
ومع ذلك، فإن الصورة لا تخلو من نقاط مضيئة. فبحسب استطلاع للرأي أجرته الجريدة وسط عدد من المرتفقين، أجمع المتحدثون كلهم على الإشادة بالمجهودات الكبيرة التي يبذلها الأطباء والممرضون العاملون بمصلحة المستعجلات ، وعلى رأسهم الممرض الرئيسي ، مؤكدين أن ما يقدمونه من تضحيات يومية هو ما يسمح للمرفق بمواصلة أداء مهامه رغم الخصاص والإكراهات المتعددة .
بل إن عددا من المستجوبين اعتبروا أن جودة الخدمات المقدمة بمستعجلات مستشفى القرب بالمحاميد جعلتها تحتل مكانة متقدمة على مستوى الإقليم ، وهو اعتراف يعكس حجم التفاني المهني للأطر الصحية أكثر مما يعكس وفرة الإمكانيات .
إن واقع الصحة بالمحاميد يطرح أسئلة حقيقية حول العدالة المجالية في توزيع البنيات الصحية ، وحول مدى قدرة العرض الصحي الحالي على مواكبة التوسع العمراني والديمغرافي الذي تعرفه المنطقة . فليس من المنطقي أن يظل أكثر من 120 ألف مواطن معتمدين على بنية صحية محدودة الإمكانيات ، فيما تستمر الأطر الطبية والتمريضية في خوض معركة يومية ضد الخصاص والضغط والاكتظاظ .
وإذا كانت الكفاءة المهنية والتضحية الإنسانية قد نجحتا إلى حد الآن في سد جزء من هذا الفراغ ، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يجعل من الحلول الترقيعية عاجزة عن مواجهة الطلب المتزايد على الخدمات الصحية . لذلك بات من الضروري التعجيل بتعزيز الموارد البشرية ، وإعادة فتح المراكز الصحية المغلقة ، وإحداث مرافق صحية جديدة تواكب النمو الديمغرافي للمنطقة ، حتى لا يبقى نجاح مستعجلات المحاميد قائما فقط على تفاني العاملين بها ، بل مدعوما أيضا بإرادة حقيقية لتأهيل المنظومة الصحية المحلية .
