عندما يسقط الخطاب السياسي في فخ الابتذال .
عندما يسقط الخطاب السياسي في فخ الابتذال .
عبد الصادق النوراني .
في السياسة لا تُقاس قيمة الزعيم بارتفاع صوته ولا بقدرته على إطلاق النعوت الجارحة أو العبارات السوقية ، وإنما تُقاس بقدرته على الارتقاء بالنقاش العمومي واحترام المؤسسات والاختلاف .
وعندما يتحول الخطاب السياسي إلى منصة للتجريح والتهكم ، فإن الخاسر الأول ليس الخصم السياسي بل صورة العمل السياسي برمتها .
لقد أثار استعمال عبد الإله بنكيران لعبارات غير لائقة وهو يتحدث عن مستشاري جلالة الملك أندري أزولاي وفؤاد عالي الهمة ومن بينها تعبير (ولا شي قندوح آخر) موجة واسعة من الاستغراب ليس فقط بسبب مضمون العبارة ، وإنما لأن قائلها سبق أن تقلد مسؤولية رئاسة الحكومة وهو ما يفرض أخلاقيا وسياسيا قدرا كبيرا من واجب التحفظ والانضباط في الخطاب واختيار الألفاظ .
فالاختلاف السياسي حق مشروع والنقد حق يكفله الدستور ، لكن بين النقد والابتذال مسافة شاسعة . فمن حق أي سياسي أن يعارض السياسات أو يعبر عن مواقف مخالفة ، لكنه ليس من حقه أن يختزل النقاش في عبارات سوقية تسيء إلى مستوى الخطاب العام وتدفع بالحياة السياسية نحو مزيد من التوتر والانحدار .
الأكثر إثارة للقلق ليس العبارة في حد ذاتها ، بل غياب أي صوت داخل الحزب يقول كفى .
أين حكماء الحزب ؟ أين القيادات التي كانت تتحدث باستمرار عن الأخلاق في العمل السياسي ؟ أين من يذكر بأن المسؤولية السياسية تبدأ من مسؤولية الكلمة ؟ إن الصمت أمام هذا المستوى من الخطاب يبعث برسالة سلبية مفادها أن كل شيء أصبح مباحا ما دام يحقق التصفيق داخل القاعات .
إن الأحزاب السياسية ليست مجرد آلات انتخابية ، بل مؤسسات للتأطير والتربية على الممارسة الديمقراطية . وعندما تعجز عن تقويم خطاب زعيمها ، فإنها تصبح شريكة ولو بالصمت في تكريس ثقافة الانفعال بدل ثقافة الحوار .
ولعل المؤسف أكثر أن المغرب راكم خلال العقود الأخيرة تجربة سياسية اتسمت رغم كل الاختلافات بقدر من الاحترام المتبادل بين المؤسسات والفاعلين . وكانت تجربة مشاركة الإسلاميين في تدبير الشأن العام تقدم باعتبارها نموذجًا للتفاعل داخل إطار المؤسسات الدستورية . غير أن استمرار الانزلاق نحو خطاب يقوم على السخرية والتهكم والعبارات الجارحة يهدد هذا الرصيد ويمنح صورة لا تخدم لا الحزب ولا الحياة السياسية .
إن المغاربة اليوم ينتظرون من السياسيين حلولا لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية ، وينتظرون نقاشًا حول التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية لا مباريات في إطلاق العبارات المثيرة للجدل . فالأزمات لا تواجه بالقهقهات ولا تحل بالاستفزاز ، وإنما بالأفكار والبرامج والمسؤولية .
إن هيبة المؤسسات ليست شأنا يخص الأشخاص وحدهم ، بل هي جزء من استقرار الدولة واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية . وكلما ارتقى الخطاب السياسي ارتقت معه ثقة المواطنين ، وكلما انحدر إلى مستوى التجريح والابتذال ، اتسعت الهوة بين المواطن والسياسة .
وفي النهاية تبقى الكلمة مسؤولية قبل أن تكون موقفا . والسياسي الذي خبر دواليب الدولة يفترض أن يكون أول المدركين أن الكلمات قد تصنع الثقة وقد تهدمها ، وأن احترام المخالف لا ينتقص من قوة الموقف بل يمنحه مصداقية أكبر . أما تحويل المنابر السياسية إلى فضاءات للتهكم والعبارات السوقية فلن يضيف إلى النقاش العمومي سوى مزيد من الضجيج في وقت يحتاج فيه المغرب إلى خطاب يجمع ولا يفرق ، ويبني ولا يهدم ، ويرتقي بالسياسة بدل أن يهبط بها إلى أدنى درجات الابتذال .