التطاول على الدين الإسلامي .. مَن يملك حق المحاسبة.. القانون أم الخالق؟
هل يحق للجمعيات "تأديب" الفايد قضائياً؟
عاد اسم خبير التغذية المغربي الدكتور محمد الفايد ليتصدر منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث في المغرب، ليس بسبب نصائحه الغذائية هذه المرة، بل إثر تصريحات ومخرجات رقمية تطاول فيها على مفهوم “الأمية” وبعض الشمائل النبوية و اعتبرها عدد مهم من المغاربة مسا صريحا بمقام النبي صلى الله عليه وسلم والمقدسات الدينية.
وقد تسببت التدوينات الأخيرة لمحمد الفايد ، في موجة غضب عارمة واستهجان شديد من لدن مواطنين وعلماء ودعاة؛ حيث رأى الكثيرون في طروحاته إساءة غير مقبولة وتطاولاً على الثوابت الروحية للمجتمع المغربي، مما دفع ببعض الهيئات والجمعيات إلى التلويح باللجوء إلى القضاء لحماية ما يصفونه بـ “الأمن الروحي” للمغاربة.
من الناحية القانونية، يطرح توجه الجمعيات المدنية نحو المحاكم شروطاً صارمة تتعلق بـ “الصفة والمصلحة” في تحريك الدعوى العمومية. فوفقاً للمنظومة الجنائية المغربية، تملك النيابة العامة الحق الأصيل في تحريك المتابعات القضائية عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس بالنظام العام أو المقدسات،
مثل مقتضيات القانون الجنائي التي تجرم الإساءة إلى الدين الإسلامي. أما الجمعيات، فلا يحق لها قانوناً تنصيب نفسها طرفاً مدنياً أو رفع دعاوى مباشرة إلا إذا كانت حائزة على صفة “المنفعة العامة”، ومستوفية للشروط المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، شريطة أن يكون هناك ضرر مباشر ومثبت لحق بالجمعية نفسها أو بأهدافها المسطرة في نظامها الأساسي، وهو ما يجعل قبول هذه الدعاوى محط نقاش قانوني وقضائي معقد.
في المقابل، يرى فقهاء القانون أن حصر تهم “المس بالثوابت الروحية والدينية ” ينبغي أن يخضع لتدقيق شديد حتى لا يتحول القضاء إلى وسيلة لتصفية الحسابات الفكرية أو لتكميم الأفواه. فالنصوص القانونية التي تعاقب على سب الأديان أو الإساءة للمقدسات وضعت لحماية الاستقرار المجتمعي ومنع الفتن، وليس لمحاكمة القناعات الفردية أو القراءات اللغوية والتاريخية.
وبالتالي، فإن القضاء يتعامل بحذر شديد مع هذا النوع من القضايا، موازناً بين ضرورة حماية المشترك الديني للمغاربة، وبين صيانة حرية التعبير والتفكير التي يضمنها الدستور.
وختاماً، وبعيداً عن السجالات القانونية والمساطر القضائية، تظل القاعدة الإنسانية والكونية الثابتة هي أنه لا يحق لأي جهة أو فرد، كيفما كان، تنصيب نفسه وصياً على عقول الناس أو محاسباً على ضمائرهم. وسواء كانت الأفكار التي ينطق بها المرء مجرد “هرطقات” وزلات لسان، أو طروحات فكرية ، فإن الفصل في صوابها أو ضلالها في الحياة الدنيا هو اختصاص أصيل للمؤسسات العلمية والفكرية والقضائية المؤهلة والمخولة قانوناً؛ أما السرائر والنوايا والضمائر، فحسابها مؤجل إلى غدٍ بين يدي خالق الكون وحده، فهو الأعلم بما تخفي الصدور وهو وحده من يملك سلطة الجزاء والمحاسبة.