أوناغا تنزف، جريمة تكشف هشاشة الأمن وعمق الأزمة الاجتماعية .
عبد الصادق النوراني .
لم تكن الجريمة المروعة التي اهتزت لها منطقة أوناغا الأحد الماضي والتي راح ضحيتها شاب في مقتبل العمر إثر خلاف بين عائلتين مجرد حادث جنائي عابر يضاف إلى سجل الجرائم المعزولة ، بل هي ناقوس خطر جديد يدق بقوة ويعيد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول واقع الأمن والتنمية الاجتماعية بهذه المنطقة ، وحول الأسباب العميقة التي تجعل شجارا عاديا ينتهي بجريمة قتل تقطع حياة شاب وتدمر مستقبل أسرتين .
فالمجتمعات التي تتوفر فيها آليات الوقاية والحضور الأمني الفعال والتأطير الاجتماعي للشباب غالبا ما تنجح في احتواء النزاعات قبل أن تتحول إلى مآسٍ . أما حين تغيب هذه العناصر فإن أي خلاف بسيط قد يجد طريقه سريعاً نحو العنف ثم إلى الجريمة.
إن ما وقع بأوناغا يفرض أكثر من أي وقت مضى فتح نقاش جدي حول مدى نجاعة المقاربة الأمنية بالمنطقة ومدى كفاية الموارد البشرية والإمكانيات الموضوعة رهن إشارة عناصر الدرك الملكي خاصة في ظل ما يردده العديد من السكان من تنامي بعض مظاهر الانحراف وتعاطي المخدرات بمختلف أنواعها بين فئة من الشباب . وهذا لا يعني تحميل الدرك مسؤولية هذه الجريمة بعينها فذلك يبقى من اختصاص القضاء والتحقيق لكنه يفرض التساؤل المشروع حول ما إذا كانت الإمكانيات الحالية كافية لمواكبة التحولات الاجتماعية والديمغرافية التي تعرفها المنطقة .
فالجريمة لا تولد من فراغ وإنما تنمو في بيئة تتداخل فيها عوامل عديدة ؛ البطالة والهدر المدرسي وغياب التأطير وانتشار المخدرات وضعف الفضاءات الثقافية والرياضية ، كلها عوامل تساهم في صناعة واقع اجتماعي هش يصبح فيه الشباب أكثر عرضة للانحراف والانفعال والعنف .
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن منطقة أوناغا التي تضم عدداً مهما من الشباب لا تتوفر إلا على دار شباب واحدة ، وهو معطى لا ينسجم مع حاجيات الساكنة ولا مع الرهانات الوطنية المتعلقة بتأطير الشباب وحمايتهم من مختلف أشكال الانحراف . فكيف يمكن لفضاء وحيد أن يستوعب طاقات مئات أو آلاف الشباب وأن يوفر لهم الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية التي تبعدهم عن الشارع وعن رفاق السوء ؟
إن الفراغ كما يقال عدو الإنسان . وعندما يجتمع الفراغ مع البطالة وتعاطي المخدرات تصبح النتيجة في كثير من الأحيان انفجارا اجتماعيا يأخذ أشكالا متعددة ، تبدأ بالمشاجرات وتنتهي أحياناً بجرائم قتل مؤلمة كالتي عاشتها أوناغا .
ولا يمكن في هذا السياق فصل الجانب الأمني عن الجانب التنموي . فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط عبر التدخل بعد وقوع الجريمة ، وإنما يبدأ قبل ذلك بخلق شروط الوقاية منها ؛ عبر توفير فرص الشغل وتوسيع العرض الثقافي والرياضي وتقوية حضور مؤسسات الشباب ومحاربة ترويج المخدرات بكل حزم إضافة إلى تعزيز الإمكانيات البشرية واللوجستية للأجهزة الأمنية حتى تتمكن من أداء مهامها في أفضل الظروف .
إن دماء هذا الشاب يجب ألا تتحول إلى مجرد رقم جديد في سجل الجرائم ثم يطويها النسيان بعد أيام . بل ينبغي أن تكون مناسبة لإجراء تقييم شامل للأوضاع الاجتماعية والأمنية بأوناغا والاستماع إلى انتظارات الساكنة وإطلاق مبادرات عملية تعيد الأمل للشباب وتحصنهم من دوامة العنف .
فالرهان اليوم ليس فقط كشف ملابسات هذه الجريمة وإنزال العقوبات القانونية في حق المتورطين ، وهو أمر يبقى من اختصاص العدالة ، وإنما العمل على منع تكرار مثل هذه المآسي لأن المجتمع الذي يكتفي بعدّ ضحاياه دون معالجة أسباب سقوطهم يظل يدور في الحلقة نفسها .
رحم الله الضحية وألهم ذويه الصبر والسلوان ، وجعل من هذه الفاجعة درسا يدفع جميع المتدخلين من سلطات أمنية ومنتخبين وقطاعات حكومية ومجتمع مدني إلى تحمل مسؤولياتهم كاملة حتى لا تتحول أوناغا إلى منطقة تستيقظ بين الفينة والأخرى على خبر جريمة جديدة كان بالإمكان تفاديها باليقظة الأمنية، وبالتنمية وبالاستثمار الحقيقي في الإنسان قبل كل شيء .
