من اليسار إلى الإسلام السياسي، كيف تغيرت ملامح المجتمع المغربي ؟
من اليسار إلى الإسلام السياسي.. كيف تغيّرت ملامح المجتمع المغربي خلال نصف قرن؟
عبد الصادق النوراني
أحيانا لا تحتاج الصورة إلى تعليق طويل كي تتحدث . يكفي أن تنظر إليها جيدا حتى تشعر أن نصف قرن من تاريخ المغرب يقف أمامك في لقطة واحدة .
هذه الصورة التي تعود إلى أواسط سبعينيات القرن الماضي ، ليست مجرد صورة جماعية لتلميذات وتلاميذ في ساحة مؤسستهم التعليمية ؛ إنها لمن يريد أن يقرأ ما بين السطور ، وثيقة اجتماعية تختزل جانبا من ملامح مغرب الأمس .
تلميذات صغيرات بلباس محتشم ، نعم ، لكنه كان في الغالب لباسا مدنيا عاديا يشبه في كثير من تفاصيله ما كان سائدا في المدارس الأوروبية آنذاك . لا حجاب ولا خمار ولا جلباب يميز الطفلة عن زميلاتها . وكانت وراء ذلك أمهات محافظات في مجتمع مسلم ، لم يكن يرى في الانفتاح على العصر تناقضا مع التدين .
لم تكن الأمهات في تلك المرحلة أقل إيمانا ، ولم يكن المغرب أقل إسلاما .
فإذا كانت صورة الأمس تظهر طفلات بملابس عادية ، فإننا نرى اليوم في بعض أحياء ومدن المملكة ، طفلة لم تتجاوز السابعة أو الثامنة أو التاسعة من عمرها ترتدي جلبابا صغيرا وخمارا ، وكأن المجتمع انتقل في بضعة عقود من مفهوم محافظ للدين إلى مفهوم أكثر تشددا في مظهره الاجتماعي .
فماذا حدث؟ لا يتعلق الأمر ، بطبيعة الحال ، بالخمار في حد ذاته ، ولا بحق أي امرأة أو فتاة في اختيار لباسها ، فذلك يدخل في دائرة الحرية الشخصية . القضية التي تستحق النقاش هي كيف تغيّر المجال الثقافي والاجتماعي الذي أنتج هذه الصورة الجديدة ، ومن أين جاءت التحولات التي جعلت مظاهر التدين أكثر حضوراً في الحياة اليومية المغربية ؟
لفهم ذلك ، ينبغي العودة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين كان المغرب يعيش صراعا سياسيا وفكريا حادا ، وكان اليسار الراديكالي خصوصا داخل الجامعات والنقابات والحركة الطلابية يمثل تحديا سياسيا وفكريا حقيقياً للنظام .
في تلك المرحلة ، لم تكن معركة الدولة مع اليسار مجرد خلاف انتخابي عابر ، بل كانت صراعا حول طبيعة المجتمع والدولة والسلطة والاقتصاد ومستقبل المغرب .
وفي خضم ذلك الصراع ، بدأت المعادلة الدينية تتغير .
تشير دراسات تاريخية إلى أن الدولة المغربية ، في عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله ، سمحت بتوسّع التيار السلفي الوهابي ، واعتبر هذا التيار في بعض المراحل ، وسيلة لموازنة نفوذ اليسار والتيارات الإسلامية المنافسة . كما أن التحولات التعليمية والهجرة والتأثيرات القادمة من المشرق ساهمت بدورها في إدخال أفكار دينية جديدة إلى المجتمع المغربي .
ثم جاء المرحوم عبد الكبير العلوي المدغري إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 1984، ليبقى فيها قرابة ثمانية عشر عاما . وفي عهده توسع حضور النقاش حول الإسلاميين ، بل إن المدغري نفسه تحدث لاحقا عن (جامعة الصحوة الإسلامية) التي كان الهدف منها بحسب روايته ، فتح منبر للحوار مع مختلف الجماعات الإسلامية ، واستُضيفت شخصيات من الإخوان المسلمين ومن تيارات إسلامية عربية أخرى .
وهكذا بدأت خريطة التدين المغربي تعرف تحولا تدريجيا .
المغرب الذي عرف الإسلام المالكي ، والتقاليد الصوفية ، والزوايا ، والتدين الشعبي المتسامح ، وجد نفسه أمام موجات جديدة من التدين القادم من خارج المجال المغربي التقليدي : سلفية أكثر تشددا في بعض صورها ، وإسلام سياسي متأثر بتجارب المشرق ، وخطاب ديني جديد بدأ يتسلل شيئا فشيئا إلى المدرسة والحي والأسرة والفضاء العام .
ولذلك ، فإن المقارنة بين صورة السبعينيات وصورة طفلة اليوم ليست مقارنة بين (إسلام الأمس) و(إسلام اليوم) ، كما أنها ليست حكما أخلاقيا على لباس النساء والفتيات .
إنها مقارنة بين مجتمعين تغيرت فيهما مرجعيات الذوق والتربية،د والتدين ، وصورة المرأة والطفلة وحدود ما يعتبره المجتمع عاديا أو محافظا أو متشددا .
والمفارقة أن بعض الخيارات السياسية التي قد تبدو ذكية في لحظتها ، عندما تتخذ لمواجهة خصم سياسي آني، قد تنتج بعد عقود نتائج اجتماعية لم تكن في الحسبان .
لقد أراد البعض في مرحلة من المراحل مواجهة اليسار بالإسلام السياسي أو المحافظ ، فإذا بالمشهد الديني نفسه يصبح لاحقا أكثر تعقيدا ، وتظهر تيارات واتجاهات لم يكن من السهل دائما التحكم في مساراتها .
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى ، وهي حين تستخدم الأفكار لمواجهة أفكار أخرى ، فإنك قد تنجح في إسقاط خصمك السياسي ، لكنك لا تستطيع دائما التحكم في الأفكار التي أطلقتها في المجتمع .
وبين صورة تلميذات سبعينيات القرن الماضي ، وطفلات صغيرات ترتدين اليوم جلباباً وخماراً ، لا ينبغي أن نسأل فقط ماذا تغير في لباس الفتاة المغربية ؟
بل ينبغي أن نسأل السؤال الأعمق ، ماذا تغير في المدرسة ؟ وفي الأسرة ؟ وفي الحي ؟ وفي الخطاب الديني ؟ وفي مفهوم التدين نفسه ؟ ومن الذي أعاد رسم حدود المقبول اجتماعيا خلال نصف قرن ؟
الصورة القديمة لا تقول لنا إن المغرب كان بلا دين .
بل تقول شيئاً أكثر أهمية ،
كان مغربا متدينا بطريقته الخاصة قبل أن تأتي السياسة والفكر والمشرق والصراعات الإيديولوجية ، فتبدأ بإعادة تشكيل ملامحه من جديد .
وهذا، في النهاية، هو الدرس الذي تمنحنا إياه صورة بالأبيض والأسود، بعد أكثر من خمسين عاما .
