خليل بولحسن، من ترحال القناعات إلى ترحال المقاعد .

من “البيجيدي” إلى “الاستقلال” ثم “البام”.. خليل بولحسن ورحلة البحث عن العنوان السياسي..!

0

.عبد الصادق النوراني .

ثلاث ولايات انتخابية ، وثلاثة أحزاب سياسية ، من العدالة والتنمية إلى الاستقلال ومن الاستقلال إلى الأصالة والمعاصرة . هكذا اختار المستشار الجماعي خليل بولحسن أن يرسم مساره السياسي في رحلة حزبية يبدو أن محطاتها تتغير أسرع من القناعات التي يفترض أن تحملها .
لا يتعلق الأمر هنا بمجرد انتقال من حزب إلى آخر ، فذلك حق سياسي وقانوني لا ينازع فيه أحد . لكن حين يصبح الانتقال الحزبي ظاهرة متكررة لدى المنتخب نفسه ، فإن من حق الرأي العام أن يتساءل عن معنى الانتماء الحزبي وعن موقع المبدأ السياسي في هذه الرحلات المتتالية بين الألوان والمرجعيات .
فالرجل الذي بدأ تكوينه السياسي داخل حزب العدالة والتنمية بحمولته الإسلامية المعروفة ، انتقل بعد ذلك إلى حزب الاستقلال قبل أن يجد بوصلته اليوم متجهة نحو الأصالة والمعاصرة ، الحزب الذي يمثل في أدبياته وخطابه السياسي مرجعية حداثية مختلفة جذريا عن البيئة التي خرج منها الرجل .
والمفارقة هنا ليست في اللحية ولا في التدين ، فذلك شأن شخصي لا علاقة له بالممارسة السياسية ، وإنما في الفجوة بين المرجعيات التي يفترض أن تؤطر العمل السياسي وبين سهولة الانتقال بينها .
والأكثر دلالة أن التحول لم يأت دون مقدمات . فقد سبقت محطة الأصالة والمعاصرة خرجة إعلامية أغدق فيها بولحسن الثناء على فاطمة الزهراء المنصوري وذهب إلى حد وصفها بأنها أفضل عمدة مرت على مراكش وأفضل وزيرة مراكشية في التاريخ .
والتاريخ يا سادة لا يعاد ترتيبه وفقا لحسابات اللحظة .
فمراكش التي عرفت رجالا من وزن عبد الله إبراهيم ومحمد الخليفة ومحمد الوفا ومحمد بوستة وغيرهم من الأسماء التي ارتبطت بمسارات وطنية وسياسية وازنة ، ليست صفحة بيضاء حتى يعاد تدوين تاريخها السياسي من خلال تصريح انتخابي أو مجاملة سياسية .
لكن القضية مرة أخرى أكبر من شخص واحد .
القضية هي مرض الترحال السياسي الذي بدأ ينخر جسد الممارسة الحزبية ويحول بعض المنتخبين إلى ما يشبه الرحّل السياسيين ، حيث لا تستقر القدم طويلا في حزب ، ولا تستقر القناعة طويلا في مرجعية ، بينما يبقى الشيء الوحيد الثابت هو البحث عن موقع داخل الخريطة الانتخابية .
اليوم هذا الحزب وغدا ذاك الحزب وبعده حزب ثالث .فأين البرنامج أين المبدأ ؟ أين الالتزام مع الناخب ؟ وأين الحدود الفاصلة بين تغيير القناعة السياسية وبين تغيير العنوان السياسي ؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الديمقراطية ليس اختلاف السياسيين ، ولا حتى صراعهم ، وإنما أن يفقد المواطن القدرة على تصديقهم .
فالناخب الذي يمنح صوته لمرشح على أساس انتمائه وبرنامجه ومرجعيته ثم يراه بعد ذلك ينتقل إلى حزب آخر دون مراجعة واضحة لمواقفه أو تقديم تفسير مقنع لمن صوتوا له ، قد يشعر في نهاية المطاف أن صوته لم يكن أكثر من تذكرة عبور للمنتخب ، وأن الالتزام الذي قدم له في الحملة الانتخابية انتهت صلاحيته بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع .
وهنا تحديدا تتحول السياسة إلى تجارة بالمقاعد ، ويتحول الحزب إلى مجرد مظلة انتخابية ، ويتحول المنتخب من حامل مشروع إلى كائن انتخابي بلا بوصلة .
ولذلك لا ينبغي للأحزاب أن تفخر كثيرا باستقطاب منتخبين يغيرون عناوينهم السياسية باستمرار ، لأن الاستقطاب الحقيقي ليس أن تستقطب مقعدا إضافيا ، وإنما أن تستقطب قناعة سياسية ومشروعا ورؤية .
أما المواطن فله أن يراقب بصمت.
وله أيضا أن يعاقب بصوته ، أو بعزوفه .
والعزوف عن صناديق الاقتراع لا يولد من فراغ . إنه يتغذى من كل صورة تجعل السياسة تبدو للمواطن مجرد سباق على المقاعد ، ومن كل منتخب يجعله يشعر أن الانتماء الحزبي مجرد محطة مؤقتة ، وأن الوعود والمبادئ قابلة لإعادة التموضع كلما تغيرت موازين القوة .
حين تتعدد الأحزاب في سيرة المنتخب ولا تتضح القناعات ، يصبح السؤال مشروعا ، هل نحن أمام سياسي يغير موقعه لأنه غير قناعته ، أم أمام منتخب يغير قناعته لأنه غيّر موقعه ؟
وبين السؤالين تضيع السياسة ، ويضيع معها المواطن .

اترك رد