العدالة الرياضية تنصف المغرب، وتسكت من كان بالأمس يهدد بالإنسحاب.
العدالة الرياضية تنصف المغرب
عبد الصادق النوراني .
في الرياضة كما في الحياة قد تتأخر العدالة لكنها حين تحضر تكشف حقيقة المواقف وتضع الجميع أمام اختبار المبادئ لا أمام اختبار النتائج .
قبل أشهر وعلى أرض المملكة المغربية ، عاش نهائي كأس إفريقيا للأمم مشهدا استثنائيا بعدما احتسب الحكم ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة من المباراة لصالح المغرب ضد السنغال ، يومها اختار مدرب المنتخب السنغالي باب تياو التصعيد فأمر لاعبيه بمغادرة أرضية الملعب احتجاجا على القرار التحكيمي قبل أن يعودوا بعد تدخلات عديدة لاستكمال ما تبقى من اللقاء . كما شهدت المدرجات حالة من الفوضى نقلتها وسائل إعلام عديدة في مشهد أساء إلى صورة كرة القدم الإفريقية أكثر مما أساء إلى البلد المنظم الذي وفر كل شروط النجاح .
لكن المفارقة أن التاريخ كاد يعيد السيناريو نفسه في كأس العالم . ركلة جزاء في اللحظات الأخيرة ، وهذه المرة ضد السنغال وفي مباراة مصيرية أمام بلجيكا . غير أن المشهد اختلف تماما . لم تصدر أوامر بالانسحاب ولم تتوقف المباراة ولم يرفع شعار المؤامرة داخل المستطيل الأخضر ، لأن الجميع يدرك أن قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم لا تعرف المجاملة وأن عقوباتها تطبق بحزم على كل من يسيء إلى اللعبة .
وهنا يبرز السؤال الجوهري ، إذا كان الانسحاب والاحتجاج الميداني يعدان وسيلة مشروعة عندما يتعلق الأمر بمسابقة إفريقية ، فلماذا اختفى هذا الأسلوب عندما أصبح الأمر يتعلق بمسابقة تشرف عليها الفيفا ؟
إن اختلاف رد الفعل لا يثير فقط علامات الاستفهام حول موقف المدرب باب تياو ، بل يعيد أيضا طرح سؤال أكبر حول هيبة المؤسسات الرياضية . فالقانون الذي لا يطبق بحزم يشجع على التمرد ، أما القانون الذي يطبق على الجميع دون استثناء فيفرض الاحترام قبل الطاعة .
ولا يمكن إغفال مفارقة أخرى ذات دلالة ، وهي أن باب تياو تلقى تكوينه التدريبي ونال شهادة التدريب ( كاف برو) التابعة للكونفدرالية الإفريقية داخل المغرب ، البلد الذي وفر له ولمنتخبه كل ظروف الاستقبال والاحترام . وكان المنتظر أن يقابل ذلك بالمثل لا بمواقف زادت من توتر نهائي قاري كان يفترض أن يكون عرسا لكرة القدم الإفريقية .
لقد أثبت المغرب، مرة أخرى، أن قوة الدول لا تقاس فقط بنتائج منتخباتها ، بل أيضا بقدرتها على التنظيم وبجودة بنياتها التحتية وباحترامها لضيوفها وبصورة شعبها المتحضر والمضياف . أما المنافسة الرياضية فيجب أن تبقى مجالا للتنافس الشريف لا ساحة لتبرير الهزائم بخطابات المظلومية أو لتقويض نجاحات الآخرين .
العدالة الرياضية لا تنتصر لطرف ضد آخر ، لكنها تكشف دائما الفارق بين من يحترم القانون عندما يخدمه ، ومن يحترمه فقط عندما يعلم أن مخالفته ستكون مكلفة .
