حين تغلق الأعياد الدينية ما تفتحه الدولة طيلة السنة .

0

عبد الصادق النوراني .

مع كل مناسبة دينية في المغرب، يتكرر المشهد ذاته دون أن يثير الكثير من الدهشة ، محلات بيع الخمور تغلق أبوابها ، والسلطات تشدد المراقبة ، فيما يتهافت المستهلكون على اقتناء كميات إضافية تكفيهم لأيام الإغلاق وربما لأسابيع بعده ، دون الحديث عن فئة الكرابة التي ينتعش نشاطها التجاري في مثل هذه المناسبات .
وبين قرار المنع المؤقت ونشاط الكرابة وسلوك التخزين المكثف ، تبرز مفارقة تستحق التأمل .
فيبدو أن النتيجة العملية لهذه الإجراءات لا تتمثل في تقليص الاستهلاك بقدر ما تتمثل في إعادة تنظيمه زمنياً ، بل وربما رفع مستواه خلال الفترة التي تسبق الأعياد .
فكلما اقترب موعد الإغلاق ، تتحول محلات بيع الخمور إلى فضاءات مكتظة بالزبائن ، مدفوعين بهاجس الندرة والخوف من عدم التوفر. وهكذا يتحول قرار يفترض أنه يهدف إلى الحد من الاستهلاك إلى عامل يشجع بشكل غير مباشر على اقتناء كميات أكبر من المعتاد . والنتيجة أن المبيعات ترتفع بينما يبقى الاستهلاك قائماً وإن تغيرت طريقة تدبيره .
غير أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في هذه المفارقة السلوكية ، بل في التناقض القائم منذ سنوات بين النص القانوني والواقع العملي .
فالقانون ينص على منع بيع الخمور للمسلمين ، لكن الجميع يدرك أن هذا المقتضى يكاد يكون مستحيلاً من حيث التطبيق . فلا توجد آلية قانونية أو إدارية تسمح بالتحقق من عقيدة الأشخاص قبل البيع ، كما أن الإيمان مسألة شخصية لا يمكن أن تتحول إلى وثيقة إدارية أو معطى قابل للمراقبة والتصنيف .
الدولة تعرف ذلك ، والمهنيون يعرفونه ، والمواطنون يعرفونه كذلك . ومع ذلك يستمر هذا الوضع الرمادي الذي تتعايش فيه النصوص مع واقع مختلف عنها تماماً .
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما ننظر إلى علاقة الدولة بهذا القطاع . فالخمور ليست نشاطاً سرياً أو خارجاً عن القانون ، بل قطاع اقتصادي منظم يخضع للتراخيص والمراقبة والضرائب ويوفر مداخيل مهمة للخزينة العامة . ولذلك يبدو من الصعب فهم هذا التذبذب بين الاستفادة المالية من النشاط طوال السنة ، ومحاولة التبرؤ الرمزي منه خلال بعض المناسبات الدينية .
فإذا كان النشاط مشروعاً قانونياً ، فمن الطبيعي أن يتم التعامل معه وفق منطق قانوني ثابت ومستمر . أما إذا كان يتعارض مع اختيارات المجتمع وقيمه بصورة تجعل وجوده غير مقبول ، فإن الأمر يقتضي نقاشاً واضحاً وصريحاً حول مستقبله ، لا الإكتفاء بإجراءات موسمية لا تغير شيئاً من واقع وجوده وانتشاره .
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في قدسية الأعياد الدينية أو في المكانة الخاصة التي تحتلها داخل المجتمع المغربي ، بل بطرح سؤال الانسجام بين الخطاب والممارسة . فاحترام الدين لا يقاس بعدد الأيام التي تغلق فيها بعض المحلات ، كما أن حماية القيم لا تتحقق عبر قرارات ظرفية يعرف الجميع أنها لا تؤثر بشكل جوهري في السلوك الفعلي للأفراد .
إن الدول القوية تبنى على وضوح القواعد وانسجام السياسات ، لا على إدارة التناقضات وتأجيل مواجهتها . ولذلك يبدو أن ما يحتاجه المغرب اليوم ليس المزيد من الحلول الرمزية ، بل مقاربة أكثر وضوحاً وواقعية تجاه هذا الملف وغيره من الملفات المشابهة .
فاستمرار وضع تصبح فيه الخمور مقبولة معظم أيام السنة ومرفوضة رمزياً خلال بعض المناسبات فقط ، لا يخدم القانون ولا يعزز القيم ولا يحسم النقاش المجتمعي . بل يكرس، في نهاية المطاف ثقافة التظاهر بالفضيلة أكثر مما يساهم في معالجة الواقع كما هو .
وبين ضرورات القانون وحسابات السياسة ورمزية الدين يبقى السؤال معلقاً ، هل المطلوب فعلا معالجة الظاهرة أم مجرد تدبير صورتها أمام الرأي العام في مواسم محددة من السنة ؟

اترك رد