من قلب المعاناة إلى ماراثونات الذهب، مصطفى الهودادي يكتب ملحمة مغربية جديدة .
عبد الصادق النوراني .
في زمنٍ تبتلع فيه ألعاب القوى المغربية أسماء كثيرة بسرعة البرق، يواصل العداء المغربي المخضرم كتابة فصول استثنائية من مسيرته الرياضية، متحديا عامل السن وقسوة المنافسة العالمية، بعدما بصم على حضور قوي بحلوله رابعا في ماراطون (غولد ريو) الدولي، أحد أقوى سباقات الماراطون المصنفة عالميا.
العداء المغربي، البالغ من العمر أربعون سنة، أنهى السباق بتوقيت لاباس به بلغ ساعتين و10 دقائق و51 ثانية، خلف ثلاثة عدائين من نخبة الماراثون العالمي، بينهم إثيوبيان وعداء أمريكي، في سباق اتسم بإيقاع جنوني منذ الكيلومترات الأولى.
ورغم أن المركز الرابع غالبا ما يوصف رياضيا بـالمرتبة القاتلة ، إلا أن ما حققه الهودادي يحمل الكثير من الدلالات العميقة، لأن الرجل لا يزال يقارع كبار العالم في واحدة من أصعب تخصصات ألعاب القوى، بينما اختفت أسماء كثيرة كانت تُقدَّم لسنوات على أنها مشاريع أبطال .
ولعل ما يزيد من قيمة هذا الإنجاز أن الهودادي ليس مجرد عداء عابر في سباقات الماراثون، بل واحد من الرياضيين المغاربة القلائل الذين حافظوا على استمرارية التوهج في المحافل الكبرى، بعدما سبق له السنة الماضية، وتحديدا يوم 31 غشت 2025، أن احتل المركز الرابع أيضا في ماراثون سيدني ضمن سلسلة (وورلد ماراثون ماجر) ، لكن بتوقيت أفضل بلغ ساعتين و07 دقائق و17 ثانية، في إنجاز تاريخي خلال النسخة الأولى لذلك السباق العالمي.
وخلف هذا التألق المستمر تقف مدرسة تدريبية مغربية حقيقية يقودها المدرب المراكشي المقتدر مصطفىالموساوي ، الذي صنع على مدى سنوات أسماء ونتائج مشرفة في سباقات الماراثون، سواء مع الرجال أو السيدات، رغم أنه ما يزال مبعدا بشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام عن تدريب المنتخب الوطني المغربي.
المفارقة الصادمة أن ألعاب القوى المغربية تواصل منح الفرص نفسها لمدربين فشلوا لسنوات طويلة في تحقيق أي نتائج تذكر، ولم يحصدوا سوى الإخفاقات والصفر الكبير في التظاهرات الدولية، بينما يتم تهميش أسماء وطنية أثبتت كفاءتها بالأرقام والنتائج لا بالشعارات والولاءات.
وينتمي مصطفى الهودادي إلى الجمعية الرياضية للقوات المسلحة الملكية فرع ألعاب القوى، حيث يتدرب إلى جانب زوجته البطلة المغربية ، ابنة مدينة آسفي فاطمة الكردادي، والتي صنعت بدورها التاريخ بعدما أصبحت أول عداءة مغربية تحرز ميدالية برونزية في بطولة العالم بسباقالماراثون ، في إنجاز ظل محفورا في ذاكرة ألعاب القوى الوطنية.
الثنائي المغربي يشكل اليوم نموذجا نادرا للالتزام والإنضباط والعمل الصامت، بعيدا عن الضجيج الإعلامي والمحاباة التي أضرت كثيرا بالرياضة الوطنية خلال السنوات الأخيرة.
إن ما يحققه مصطفى الهودادي في سن الأربعين ليس مجرد نتيجة رقمية عابرة، بل رسالة قوية تؤكد أن العداء المغربي الحقيقي لا يموت، وأن الكفاءة عندما تجد التأطير الجيد والإرادة الصلبة تستطيع أن تفرض نفسها حتى في أصعب المحافل العالمية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح داخل البيت الرياضي المغربي: إلى متى ستستمر سياسة إقصاء الكفاءات الوطنية الناجحة من مراكز القرار التقني، مقابل الإبقاء على أسماء استنفدت كل فرصها دون أن تقدم لألعاب القوى المغربية سوى المزيد من التراجع والانكسارات؟
