حين يتحدث من لوّثوا التدبير عن “النزاهة”.. ومع اقتراب الانتخابات تعلو أصوات النشاز
تمارة / متابعة
في خضم الجدل الذي أُثير حول صفقة التدبير المفوض لقطاع النظافة بجماعة تمارة، خرجت أصوات تحاول إعادة تدوير خطاب قديم، مشحون بالاتهامات المجانية، ومحمل بنفس سياسي مكشوف، لا هدف له سوى التشويش على مسار تدبيري يخضع، كما هو معلوم، لمقتضيات قانونية واضحة وصارمة.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لم يكن مستغربا أن تعلو بعض الأصوات النشاز التي اعتادت الظهور في مثل هذه المحطات، لا لتقديم بدائل أو برامج، بل لإثارة الغبار وخلط الأوراق، في محاولة بئيسة لإعادة التموضع السياسي على حساب الحقيقة، إنها نفس الوجوه، بنفس الخطاب، وبنفس الأدوات المستهلكة، التي لا تجيد سوى العزف على وتر التشكيك.
لكن ما يثير الاستغراب – بل السخرية السياسية – هو أن بعض هذه الأصوات، التي تنتمي أو تدور في فلك حزب حزب العدالة والتنمية بتمارة، تحاول اليوم لعب دور “حارس الشفافية”، في تناقض صارخ مع مرحلة سابقة عرفت من الاختلالات ما يكفي لتقيد في ذاكرة التدبير المحلي كواحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل.
فمن كان بالأمس يدبر الصفقات بمنطق “الأمر الواقع”، ومن سقط أكثر من مرة في اختبارات الحكامة الجيدة، لا يحق له اليوم أن يوزع صكوك النزاهة أو يزايد على مؤسسات قائمة تشتغل وفق القانون، الرسالة هنا واضحة – وإن لم تقل صراحة، الذاكرة المؤسساتية لا تمحى، والتاريخ التدبيري ليس صفحة بيضاء يمكن إعادة كتابتها حسب المزاج السياسي.
أما ما ورد في خرجة المستشار السابق ، س٠ ب، فهو – رغم لغته التصعيدية – لا يخرج عن كونه موقفا سياسيا مغلفا بعبارات شعبوية، تراهن على الإثارة أكثر من رهانها على الحجة، الحديث عن “عقد فارغ” و“شيك على بياض” ليس سوى محاولة لتبسيط مساطر معقدة، لا تفهم خارج سياقها القانوني والتقني، حيث تمر الصفقات بمراحل دقيقة، وتعرض أحيانا بصيغ مرحلية قبل استكمال تفاصيلها النهائية وفق الضوابط الجاري بها العمل.
ثم إن التلويح بشعار “أين الشفافية؟” لا يستقيم حين يرفع دون سند موثق، لأن الشفافية ليست استعراضا إعلاميا، بل التزام بمساطر تضمن تكافؤ الفرص وتحمي سرية العروض إلى حين استكمال الإجراءات، ومن يجهل ذلك، فالمشكل في فهمه، لا في المسطرة.
وفي ما يخص الحديث عن شركة “Averda”، فإن إسناد أي صفقة – إن تم – لا يتم بقرار فردي أو تحت الطاولة، بل عبر لجان تقنية مختصة، ودفاتر تحملات مضبوطة، ومراقبة متعددة المستويات، أما الإيحاء بوجود “تلاعب”، دون دليل، فليس سوى محاولة مكشوفة لبث الشك في نفوس المواطنين.
الرسالة الثانية، المشفرة ولكن المفهومة، تمارة اليوم ليست ساحة لتصفية حسابات الأمس، ولن تدار بمنطق “عدنا لنصحح ما أفسدناه”. من يريد المعارضة، فليمارسها بأدوات السياسة النبيلة، لا بأساليب التشويش والتضليل.
إن تضخيم هذا النقاش بهذه الطريقة يخدم أجندات ضيقة، ولا يخدم مصلحة الساكنة التي سئمت من صراعات الكواليس، وتنتظر خدمات نظافة في المستوى أما التلويح بالطعن، فهو حق قانوني، لكنه أيضا اعتراف ضمني بأن المؤسسات قائمة، وأن الكلمة الفصل ليست للتدوينات، بل للقانون.
في النهاية، تمارة لا تحتاج إلى ضجيج سياسي بقدر ما تحتاج إلى وضوح في الرؤية وصدق في النية. ومن أراد أن يتحدث عن الشفافية، فليبدأ أولا بمراجعة ماضيه… لأن من بيته من زجاج، لا يرشق الآخرين بالحجارة.