ما وراء الكاميرا والسياحة: لماذا يخطئ العيادي بنبيگة في فهم سوسيولوجيا الرقميات بالمغرب؟”
حسن بنعبدالله / صوت الأحرار
“يطرح الكاتب العيادي بنبيكة، إشكالية في غاية الأهمية تتعلق بـ ‘الصورة الذهنية’ للمغرب في العصر الرقمي. ومع ذلك، فإن تغليب المنطق التسويقي على الحركية الاجتماعية قد أدى به إلى نقل واقع منقوص وغير مكتمل فالمقارنة مع نموذج دبي، رغم جاذبيتها التنظيمية، تغفل خصوصية ‘الاستثناء المغربي’ القائم على التعددية وحيوية النقاش العام؛ وهي قيم تمثل في حد ذاتها ‘رأسمالاً لامادياً’ لا يقل أهمية عن الاستقرار السياحي. فالمواطن الذي يصور حادثة عارضة، لا يسعى بالضرورة للإضرار بوطنه، بل يمارس دوراً رقابياً فرضته العفوية الرقمية.
وبناءً عليه، فإن ‘ترشيد الحرية’ الذي يدعو إليه الكاتب، لا ينبغي أن يُفهم كتقييد للتعبير، بل كدعوة لتجويد المحتوى ومده بالسياق الصحيح. إن حماية صورة المغرب لا تكتمل فقط بتأطير ما يُنشر، بل بـ معالجة مسببات تلك الحوادث ميدانياً؛ فالسياحة المستدامة تُبنى على ‘واقع صلب’ يعزز الصورة، وليس فقط على ‘صورة’ تحاول احتواء الواقع.”
فبعد قراءة متأنية في النص الذي كتبه الكاتب العيادي بنبيكة ونشره على المواقع الإخبارية المحلية بمدينة مراكش تحت عنوان من يصنع صورة المغرب في العصر الرقمي ومن خلال التفاعل مع هذا المقاله فقد أرتأيت القيام بقراءة نقدية للتمحيص فيما جاء فيها وقد وقفت على عدة فجوات جوهرية في زاوية المعالجة، إذ أن “النظرة البرغماتية” لرجل الأعمال حجبت عنه “الواقع السوسيولوجي” المعقد. و الخيارات الديموقراطية التي يعتمدها المغرب خاصة عندما نضع في الاعتبار خلفية الكاتب كرجل أعمال ومستثمر سياحي. حيث أنتجت زاوية المعالجة الذاتية ضعفا منهجيا وأدبيا في النص يمكن حصره إجمالا في 5 نقاط سنحددها على الشكل التالي:
1. غياب “البرهان” وسقوط الفرضيات في الفراغ
نقطة ضعف النص الأولى والأساسية هي اعتماده على “التعميم الإنشائي”. إذ يطرح الكاتب العيادي بنبيكة فرضيات كبرى (مثل تأثير فيديوهات التوتر الإجتماعي على قطاع السياحة وذلك دون تقديم ولو واقعة واحدة ملموسة أو رابط رقمي أو إحصائية تدعم هذه الفرضيات .إذ يفتقر النص إلى “دراسة الحالة”فقد كان الأحرى به أن يستند إلى لغة الأرقام؛ مثلاً: “تراجع الحجوزات الفندقية بنسبة رقمية محددة بتاريخ … بعد انتشار فيديو ما “. غياب هذا يجعل النص “ترافعاً عاطفياً” أكثر منه مقالاً تحليلياً رزيناً.
2. “الانتقائية” في المقارنة (خلل المنهج)
قارن الكاتب بين المغرب والإمارات، وهي مقارنة تعاني من “عطب في السياق”: إذ أغفل الكاتب اختلاف الأنظمة السياسية، والتركيبة الديمغرافية، وسقف الحريات بين البلدين. المقارنة هنا ليست “علمية”، بل هي مقارنة “رغبوية” لرجل أعمال يتمنى بيئة رقمية “مهذبة” ومسيطر عليها كما في دبي، متجاهلاً أن “جاذبية” المغرب السياحية تستمد قوتها أيضا من “عفوية المواطنين المغاربة وتفاعلهم مع القضايا الوطنية والإقليمية “.
3. “النظرة الفوقية” وتغييب المعطيات الميدانية
بما أن الكاتب لم ينزل للميدان ولم يستطلع آراء “صناع المحتوى” أو “السياح” أنفسهم، جاء نصُّه محبوساً داخل “برج عاجي”: يرى منه أن المواطن قد يشكل خطرا محتملاً على صورة المغرب التي تثير إهتمام السياح في وسائل التواصل الإجتماعي ، ولا يرى منه أيضا أن المواطن المغربي أيضا بدوره مواطن من العالم مواطنا من هذا العالم المنفتح على بعضه ، وإلى جانب هذا فقد سقط العيادي بنبيكة في قصور الرؤية إذ تجاهل دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في التحول لمنصات واسعة الإنتشار تعكس صورا مدفوعة الأجر وفق إتفاقيات مالية ضخمة لفائدة عدد من الدول الغنية
4. خلط “البيان” بـ “البروباغندا”
أدبياً، النص يراوح بين المقال الصحفي والمنشور التوجيهي.إذ تميل لغة الكاتب إلى “الوعظ” (نصيحة: تحقق.. اسأل نفسك..). هذا الأسلوب يضعف القوة الإقناعية للنص؛ لأنه يفترض أن القارئ “غير واعٍ”،
5. اختزال “الأزمة” في “الكاميرا”
ثمة ضعف بنيوي في اعتبار أن “التضخيم الرقمي” هو السببب الرئيسي لأي أزمة سياحية محتملة بحيث أن كون الكاتب مستمرا ورجل أعمال كان عليه أن يدرك أن السائح أصبح بدوره ينقل الأحداث ويشارك من مواقع الحدث صورا للإحتجاجات عبر العالم والسائح اليوم يشارك في رسم “ما يسمى الصورة العامة الواقعية” للدول السياحية وهي الصورة التي تكون أكثر صدقا من أي صور لإجتجاجات عابرة أو محدودة زمنيا كما نسي أن يشير إلى أن المغرب من بين أبرز الدول العربية و الإفريقية التي تضمن حق الإحتجاج لمواطنيها والتعبير عن أرائهم بشكل علني سواء تعلق الأمر بالتعبير عن الأراء أو المواقف في الساحات العمومية أو وسائل التواصل الإجتماعي وهو خيار لن يتراجع عنه المغرب
وعموما فإن النص أو المقالة التي تحمل عنوان من يصنع صورة المغرب في العصر الرقمي لكاتبه العيادي بنبيكا عبارة عن “انطباع شخصي لمستثمر قلق” أكثر منه دراسة تحليلية. يفتقد لـ “الأدلة المادية” ويعاني من “قصور في فهم سوسيولوجيا الرقميات”، حيث تعامل مع حرية التعبير كـ “عائق اقتصادي” يجب تدجينه، لا كـ “قيمة مضافة” يمكن استثمارها لبناء صورة صادقة وقوية للمغرب.