عندما تسكن الهجرة أرواحنا.. ثريا بن إمليل تكتشف “المنفى” الذي لا تراه العيون
حسن بنعبدالله / صوت الأحرار
غالباً ما نقيس الهجرة بالكيلومترات، وتذاكر الطيران، والحدود الجغرافية. لكن الكاتبة المغربية المقيمة في كندا، ثريا بن إمليل، تأخذنا في كتابها الصادر حديثاً “Le syndrome invisible : Habiter l’exil en soi” (المتلازمة غير المرئية: سكنى النفي في الذات)، إلى رحلة مغايرة تماماً؛ رحلة داخلية لاستكشاف ذلك “المنفى” الذي لا يحتاج إلى تأشيرة ليتسلل إلى أرواحنا.
لم تنسَ ثريا بن إمليل أصولها المغربية وهي تشق طريقها في “كيبيك”. بل حملت معها دفء الحكي المغربي وقوة الشخصية التي صقلتها سنوات العمل في قطاع التمريض بالمغرب قبل الهجرة. هذا الرصيد الهوياتي هو ما جعل قلمها يفيض بصدق عميق ، محولاً تجربتها الشخصية من “مغتربة” إلى “شاهدة” على تحولات الذات الإنسانية في بلاد المهجر.
ما يميز هذا العمل الأدبي هو الخلفية المهنية الفريدة لثريا. فبصفتها ممرضة متخصصة في التخدير والإنعاش، قضت بن إمليل سنوات في ملامسة الحدود الرفيعة بين حضور الجسد وغياب العقل ، وبين الألم والسكينة. في كتابها، تمارس الكاتبة نوعاً من “الإنعاش الأدبي” للذاكرة؛ فهي لا تكتفي بوصف وجع الاغتراب، بل تستخدم دقتها السريرية لتشخيص “المتلازمة غير المرئية” التي تصيب المهاجرين وغير المهاجرين على حد سواء: صدمة فقدان الذات، والعيش كغريب داخل الجسد.
وتطرح بن إمليل تساؤلاً جوهرياً: ماذا يحدث عندما لا تصبح الهجرة رحيلاً نحو مكان جديد، بل هروباً من الذات؟
عبر فصول الكتاب، تكتشف الكاتبة أن “المنفى الحقيقي” هو الصمت الذي يعقب الصدمات غير المعالجة. ومن خلال مفهوم “المرونة النفسية” (Résilience)، تقدم لنا خارطة طريق لترميم الهوية المكسورة، داعية القارئ إلى التصالح مع ندوبه وتحويلها إلى أوسمة فخر.
“le syndrome invisible ” ليس مجرد حكي أدبي عن الهجرة، بل هو إطلالة نفسية عميقة لكل من يشعر أنه “خارج مكانه”. إنه تكريم للمرأة المغربية المبدعة التي استطاعت أن تدمج بين “علم التخديرالطبي ” و”فن التحريرالأدبي “، لتقدم للعالم سبيلا جديدا لمعانقة الأوطان التي تسكن في الروح و ليس في الجغرافيا.
