كتاب واراء

رسالة إلى السيد رئيس الحكومة

تحية واحتراما،

وبعد،

أخاطبكم السيد الرئيس كمواطن مغربي آمن ذات يوم بالفعل السياسي النبيل القادر على تمثيل الشعب والدفاع عن حقوقه وتعزيز الثقة في المؤسسات وضمان حد أدنى من الكرامة والعيش اللائق المحترم لآدمية الإنسان . وأسمى من كل ذلك الوفاء بالوعود التي رفعتموها في يوم من الأيام .

أتكلم معكم وقلبي يعتصر حسرة وألما لما آلت إليه الأوضاع في عهدكم. حقوق الإنسان وحرية التعبير والتظاهر أصبحت تهمة وأخضعتموها للإستنطاق وللتصفية والقمع الممنهج والقتل الرمزي . منارة التعليم نساؤه ورجاله على حد سواء اطفأتم جذوتهم بالتنكيل والمطاردات والتضييق والاعتقال وهو عمل مدان ووصمة عار تطاردكم .

ماذا عساي أقول بعدما خاب الظن فيكم …!

الهذا الحد بلغ بكم الهوان ؟

ماهذا الإنبطاح المذل الذي يجعلكم تفرطون في كل شيء إلا الكراسي والحرص عليها والحقيقة المفجعة بقاؤكم جاثمين على صدورنا لحد الإختناق ؟

اختلطت علي الأمور ولم أعد أفهم هل السياسة كما كنت أعتقد نافذة أمل وطوق نجاة تدافعون من خلالها على حقوقنا أم جسر يعبره المحظوظون وشرذمة من الإنتهازيين لاقتناص الفرص على حساب آلامنا وأحلامنا ؟

في الحقيقة صرحت في كثير من المرات بعدم تفاؤلي بهذه التجربة مبكرا .لأن مؤشرات فشلها بدت جلية منذ مدة ليست باليسيرة ولست في حاجة للتدليل عليها . لسنا في مختبر كما أننا لانقبل أن نكون فئران تجارب لمحاولات البعض والتي لانجني من ورائها سوى خيبات أمل صادمة مست عمق روابطنا بالمؤسسات وأصبحنا ننعثها بكل أنواع التهم والإهانة لعلها تتراجع عن قراراتها اللامسؤلة وترحمنا من تعسفها وقهرها دون رحمة أو شفقة .

كم يؤلمني هذا الوضع المتردي رغم شطحاتك الأخيرة على منابر تواصلية لم تقنعني بأنك فعلا تقود المرحلة . كان الله في عونك بعدما تخليت عن دورك في التسيير فأصبحت من الركاب عوض مقصورة القيادة وهو دور لايليق بك لقد حذرنا من صعودك لأنه لم يكن مناسبا لتلك المرحلة رغم أنني احترم الإختيارات مع تحفظي على طريقة تدبيرها فالمؤسسات ترفع شعار الديمقراطية في الأعالي لتمرغ أنفها في الحضيض بالكولسة وطبخ النتائج قبل إجرائها مع بعض الروتوشات التجميلية لإخفاء الوجه القبيح لممارسات مشينة ضد كل الأعراف والأخلاق .

أعرف جيدا أن الوضع مرتبك إن لم يكن متأزم لن تستطيع إخفاءه بابتسامتك الخفيفة حتى لا أقول الماكرة التي توحي بغياب قرار وهي في الحقيقة اعتراف ضمني رغم أنني لا اعلم الغيب لكن علمتني الحياة والتجربة أن أفسر ملامح البشر وهي صورة توحي بكونكم غير مقدرين دقة المرحلة وحساسيتها بعدما استسلمتم بكل طواعية للضغوطات مهما كانت قوتها وانتم تفرطون في كل الشعارات والضمانات التي نادى بها كل من سبقكم .

أذعنتم لفيالق من الإنتحاريين الوصوليين بالداخل الذين لاهم لهم سوى “بزولة المخزن ” والتي يصعب الفطام منها كما هم في الخارج لم تسعفكم خبرتكم المهنية ولا السياسية في تدبير المرحلة وكنت أقول في مرحلة البلوكاج أن الرئيس السابق رفع السقف عاليا في التقديرات ويصعب أن يجاريه من سيأتي بعده وهو أمر أفضع مطباته وأبلغ تجلياته أنكم منذ الوهلة الأولى سقطتم في منطق إثباث الذات في محاولة يائسة وبئيسة في طمس مرحلة سابقة عوض تتميمها وتعزيز معطى المؤسسة فانهار كل شيءفشلتم في تمنيع البنية الداخلية من الترهل والتواطؤ وأخترتم سياسة الهروب للأمام وقتل كل مبادرة تطالب بكشف حساب وتقويم مسار وكل فرصة تأجيل تصبح كلفتها باهضة .

إن أفضع تنازل يقوم به السياسي حين يتخلى عن أخلاقه السياسية ومبادئه مقابل كرسي هنا ومنصب هناك .الصورة مقززة ومن يعتقد مهما بلغت درجة خذلان البعض أن الشارع سينسى أقول أن القضايا ذات خصوصية وحساسية معينة كافية لوحدها أن تدين مرحلة بكاملها وتوقظ مشاعرنا بالسخط العارم على كل ماسبق وانتم تعرفونها جيدا هي لوحدها ترهن مستقبلكم السياسي إن لم تكن هناك ثورة داخلية قادرة على اجثثات رموز الانتكاسة والردة على المنهج المتفق بشانه والمؤطر لمسار لم يعد بالسهل تجاوزه . لن ننس مهما حاولتم لأننا لانملك سوى الذاكرة على الأقل لندين كل هذه التراجعات والإنتكاسات بعدما أوجعتم مسارا كاملا كان حلمه الوحيد أن يسجل موقفا مشرفا ومرحلة تحقق أحلام مابعد 2011 .

السيد رئيس الحكومة لقد علمتني الحياة أمر مهم أومن به أشد الإيمان وأضعه بين يديك المرتعشتين من هول المرحلة . إذا كان من الضروري البقاء في المسؤولية والواجهة فلنناضل بشرف أو نسجل انسحابا قبل وقوع الكارثة . لكن أقول لكم بصراحة لقد ضاعت منكم هذه الفرصة ولم يبق سوى العد العكسي لنهاية مرحلة غير مأسوف عليها .

بقلم ذ ادريس المغلشي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى